قراءة نقدية موضوعية حول وضع العلويين في سوريا وتصحيح المغالطات الشائعة

مقدّمة

منذ سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وصعود سلطة بقيادة «هيئة تحرير الشام» إلى مركز الحكم في دمشق، تحوّل العلويون مجددًا إلى عنوان جاهز في تقارير اللجوء والحقوق، وفي كثير من التغطيات الإعلامية الغربية والعربية على حدّ سواء. إحدى أبرز هذه الوثائق هي المذكرة الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية في تموز/يوليو 2025 حول «العلويين ومن يُنظَر إليهم كموالين للنظام السابق». هذه المذكرة، وإن اعترفت بوجود مخاطر حقيقية على العلويين، فإنها تعيد إنتاج كثير من السرديات الاختزالية حول هذه الجماعة، سواء في ما يتعلق بتاريخها أو علاقتها بالسلطة أو طبيعة العنف الذي تعرّضت له بعد 2024.

تهدف هذه الدراسة إلى:
1. تصحيح المفاهيم الأساسية حول العلويين بوصفهم جماعة دينية – اجتماعية متنوّعة، لا كتلة سياسية أو عسكرية واحدة.
2. تفكيك السردية التي تتعامل مع النظام السابق بوصفه «حكمًا علويًا» تمثّل فيه الطائفة ككلّ رأس السلطة وأداتها.
3. إبراز حجم الاستهداف الذي تعرّض له العلويون، خصوصًا في مجازر آذار/مارس 2025 على الساحل السوري، والتي تُخفَّف في بعض التقارير إلى مجرد «أعمال عنف» أو «سلسلة هجمات».
4. الدعوة إلى قراءة جديدة لوضع العلويين، تتجاوز الاختزال الطائفي، وتنطلق من المعايير الحقوقية العامة، لا من الحسابات السياسية اللحظية.

أولًا: تصحيح المفاهيم العامة حول العلويين

1. العلويون ليسوا كتلة سياسية واحدة
غالبًا ما يتم تقديم العلويين في التقارير السياسية والأمنية على أنهم «طائفة حاكمة» أو «الطائفة التي حكمت سوريا لعقود»، وكأننا أمام جسم متجانس له موقف سياسي واحد وامتيازات موحَّدة ومصلحة مشتركة. الواقع أبعد ما يكون عن ذلك.

العلويون جماعة دينية – اجتماعية تمتد جذورها في المشرق، لهم مدارس فكرية وروحية متعدّدة، ويتفاوت أبناؤها في الانتماء الفكري والديني، من التديّن التقليدي إلى النزعة العقلانية والفلسفية، مرورًا باللادينية. وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي، نجد بينهم الفقير والريفي والمهمّش، كما نجد الموظف والعسكري والتاجر والمثقف، من دون أي «مجلس طائفي» يعبّر عن إرادة جامعة أو قرار موحّد.

تقدَّر نسبة العلويين في سوريا اليوم بحوالي 10–13% من السكان، أي بين 2 و3 ملايين شخص، يتمركزون في الساحل (اللاذقية وطرطوس) إضافة إلى مناطق في حمص وحماة ودمشق، مع وجود في المهجر. هذه الأرقام وحدها كافية لنفي فكرة «الكتلة السياسية الواحدة»، إذ إن أي جماعة بهذا الحجم لا يمكن أن تكون متجانسة سياسيًا أو اجتماعيًا.

2. عمق الجذور التاريخية والفكرية
لم يظهر العلويون فجأة مع الأسد الأب، بل هم امتداد لتقاليد روحية وفلسفية متداخلة مع التراث السرياني – الآشوري والمدارس الفلسفية القديمة، مع تأكيد على دور العقل والتأويل في فهم النصّ والمعنى. هذه الجذور جعلتهم، عبر التاريخ، هدفًا للتكفير من بعض المدارس الفقهية المتشددة التي لم تحتمل الاختلاف الفلسفي، فأصدرت بحقّهم فتاوى قاسية وصلت إلى حد الدعوة للقتل والنهب والسبي.

هذا التاريخ من الاضطهاد أنتج ثقافة حذر وانكفاء، وليس مشروع هيمنة. العلويون، لقرون طويلة، كانوا ضحايا السلطة لا أصحابها.

3. من جماعة مضطهدة إلى متّهمة جماعيًا
قبل القرن العشرين، عاش العلويون في عزلة جغرافية (في الجبال الساحلية) وفقر مدقع، محرومين من التعليم والتمثيل السياسي، ومعرّضين لضرائب تمييزية في العهد العثماني. هذا المسار من التهميش يجب أن يبقى حاضرًا في أي قراءة لوضعهم المعاصر، لأنه يفسّر لماذا سعى كثيرون منهم لاحقًا إلى الجيش أو الأحزاب الحديثة بحثًا عن الأمان والارتقاء، لا عن الهيمنة.

ثانيًا: العلاقة بين العلويين والنظام السابق

1. من التهميش إلى المشاركة المحدودة
بين عشرينيات وسبعينيات القرن الماضي، بدأت عملية اندماج تدريجية للعلويين في مؤسسات الدولة السورية. الانتداب الفرنسي، مهما كانت ملاحظاتنا عليه، فتح الباب أمام بعض أبناء الطائفة للانخراط في الجيش والإدارة، ليس حبًا بالطائفية بل نتيجة تغيّر البنى السياسية. بعد الاستقلال، كان الجيش القناة شبه الوحيدة للترقّي الاجتماعي أمام الفلاحين والفقراء من مختلف الطوائف، ومن ضمنهم العلويون، بينما فضّلت نخب مدينية سنّية ومسيحية الابتعاد عن المؤسسة العسكرية.

هنا يجب التمييز بين:
– دخول أفراد علويين إلى الجيش والحزب،
– وبين القول: «العلويون حكموا سوريا».

الأول حقيقة اجتماعية – سياسية؛ الثاني سردية طائفية.

2. حكم أمني لا «حكم علوي»
حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد لم يكن حكمًا دينيًا علويًا، بل نظامًا أمنيًا سلطويًا يرتكز على الحزب والأجهزة الأمنية والتحالفات الشخصية والعائلية، وينخرط فيه شركاء من كل الطوائف. وجود ضباط ومسؤولين علويين في مواقع عليا لا يعني أن «الطائفة» تمسك بالحكم، تمامًا كما أن وجود حكّام من طائفة معيّنة في دول أخرى لا يحوّل تلك الطائفة إلى «سلطة جماعية».

ملايين العلويين بقوا خلال العقود الماضية في قراهم الفقيرة بلا بنية تحتية ولا تمثيل ثقافي أو سياسي، ولم ينعموا بامتيازات استثنائية مقارنةً بغيرهم من الفقراء في سوريا.

3. العلويون ضحايا للنظام أيضًا
هناك طبقات واسعة من العلويين:
– لم تستفد من النظام، بل عانت من الفقر والفساد والتهميش؛
– فقدت أبناءها في الحروب المتلاحقة (لبنان، ثم منذ 2011) بوصفهم جنودًا في الجيش، من دون أن تمتلك هامش قرار في السياسات الكبرى.

كما شهدنا اعتقال وتصفية معارضين علويين في السجون السورية، ما ينفي بشكل قاطع فكرة أن النظام كان يمثّل «إرادة الطائفة»، بل كان يضطهد كل من يعارضه، بغضّ النظر عن انتمائه.

ثالثًا: تشويه صورة العلويين في الإعلام الدولي وتقارير اللجوء

1. من «الطائفة الحاكمة» إلى «بقايا النظام»
كثير من التقارير الدولية تتحدّث عن العلويين اليوم بوصفهم «بقايا النظام السابق» أو «أتباع النظام»، وهذا التعبير يختزل ملايين الناس في صفة سياسية واحدة، ويتجاهل الفوارق الطبقية الكبيرة داخل المجتمع العلوي، ووجود علويين معارضين للنظام، وأن جزءًا من الطائفة كان ضحية السياسات نفسها التي ظلمت باقي السوريين.

بعض التغطيات الإعلامية الغربية تصفهم بالطائفة التي «حكمت سوريا لعشرات السنين»، أو «استفادت من الأسد ثم تدفع الثمن اليوم»، وهذه صياغات تحوّل العقاب الجماعي إلى شيء مفهوم أو مبرّر ضمنيًا.

2. التباس في استخدام مفهوم «التمثيل المفرِط»
تُعيد كثير من الوثائق، ومن ضمنها المذكرة البريطانية، إنتاج تعبير «التمثيل المفرِط للعلويين» في الأجهزة الأمنية والعسكرية، من دون تفكيك الخلفية الطبقية والتاريخية التي أوصلت أبناء الريف والأقليات إلى تلك المؤسسات. بهذا الشكل، يتم تحويل سؤال «من يحكم؟» من سؤال حول طبيعة النظام الأمني والاقتصادي إلى سؤال حول مذهب الحاكم، وهو انزياح خطير.

3. إخفاء الضحايا خلف الصورة النمطية
عندما تُقدَّم الطائفة العلوية بهذه الصورة، يصبح من السهل إهمال معاناتها الحالية. فالعنوان الجاهز هو: «هؤلاء يدفعون ثمن الماضي». بينما الحقيقة أن كثيرًا من الضحايا العلويين اليوم هم من الفقراء الذين لم تكن لهم أي صلة بمراكز القرار سابقًا، بل دفعوا ثمن الحرب بأبنائهم ومساكنهم وأمنهم الشخصي.

رابعًا: الحرب السورية وتداعياتها على العلويين

1. حرب معقّدة لا «ثورة طائفة على طائفة»
انطلقت الاحتجاجات عام 2011 كمطالب شعبية بالحرية والعدالة، شارك فيها سوريون من مختلف الانتماءات. لكن سرعان ما تحوّلت – بفعل القمع من جهة، والتدخلات الإقليمية والخطابات الطائفية من جهة أخرى – إلى حرب معقدة متعددة الأطراف. خلال هذه السنوات، قُتل مئات الآلاف من السوريين من كل الطوائف.

برز خطاب تكفيري ضد العلويين في قنوات دينية وإعلامية، وظهرت وجوه إعلامية ودينية تحرّض صراحة أو ضمنًا على استهداف العلويين بوصفهم «نصيريين» أو «أعداء أهل السنة». كثير من العلويين وجدوا أنفسهم محشورين بين مطرقة النظام الذي يزجّ أبناءهم في الجبهات، وسندان جماعات مسلّحة ترى فيهم «أذرع النظام» لمجرد انتمائهم.

2. مجازر الساحل في آذار/مارس 2025
بين 6 و9 آذار/مارس 2025، تعرّضت قرى وبلدات علوية على الساحل السوري لسلسلة من الهجمات شنّتها مجموعات مسلّحة مختلفة، بعضها مرتبط بالسلطة الجديدة. التغطيات الرسمية الأجنبية تميل إلى وصف ما جرى بأنه «سلسلة هجمات» مع تقديرات محدودة لعدد الضحايا.

لكن شهادات ميدانية وتقارير صحفية مستقلة تحدثت عن مشاهد مروّعة: قرى أُفرغت من سكانها، طرقات مليئة بالجثث، وعمليات قتل ميداني جماعي بحق مدنيين علويين عُزّل، مع تهجير واسع لعشرات الآلاف بحثًا عن ملاذ آمن. هذه الوقائع تقرّب ما جرى من مفاهيم «المجازر ذات الطابع الطائفي» و«الجرائم ضد الإنسانية»، لا مجرد «أعمال عنف».

3. العلويون بين مطرقة الانتقام وسندان التقارير الناقصة
ما جرى في آذار/مارس 2025 ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من موجة أوسع من العنف استهدفت العلويين في الساحل ودمشق ومناطق أخرى بعد سقوط النظام. تقارير صحفية وثّقت عمليات خطف وقتل في أحياء مختلطة بدمشق استهدفت رجالًا علويين تحديدًا، إضافة إلى هروب جماعي لعائلات علوية من مناطق مختلطة خوفًا من عمليات انتقامية وتصفية حسابات على أساس الانتماء.

أمام هذا الواقع، يصبح أي نص رسمي يتناول وضع العلويين مطالَبًا بأن يكون أكثر دقة في وصف طبيعة العنف: هل هو «انتهاك عرضي»، أم «مجازر طائفية»؟ الفارق هنا ليس لغويًا فحسب، بل أخلاقي وقانوني.

خامسًا: في نقد السردية التي تربط الطائفة كلها بالنظام السابق

1. منطق «العقاب الجماعي»
عندما تُقدَّم الطائفة العلوية في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفها:
– «الطائفة التي حكمت»،
– «الطائفة المستفيدة من النظام»،
– «بقايا النظام السابق»،

فإن هذا يفتح الباب أمام منطق خطير: إذا سقط النظام، يصبح من «المفهوم» أو المقبول ضمنًا أن تدفع هذه الطائفة الثمن جماعيًا. هذا الشكل من التفكير يناقض أبسط مبادئ العدالة التي تفصل بين مسؤولية الفرد والجماعة.

2. التعميم الذي يخفي الضحايا
هذه السردية تتجاهل أن جزءًا كبيرًا من ضحايا الحرب من العلويين سقطوا وهم مجنّدون إلزاميًا أو متطوعون بدافع حماية قراهم وعائلاتهم، لا دفاعًا عن «مشروع طائفي». كما تتجاهل وجود علويين معارضين بارزين دفع بعضهم حياته أو حريته ثمنًا لموقفه، وأن مئات آلاف العلويين لم يكن لهم أي دور في بنية القرار، بل كانوا يقتاتون على وظائف هامشية أو أعمال بسيطة.

بهذا الشكل، يتحوّل العلوي الفقير والمهمّش إلى «متهم» مسبقًا بمجرد انتمائه، في حين تُغسل أيدي من موّل وحرض على خطاب الكراهية، تحت عناوين براقة مثل «الحرية» أو «العدالة».

سادسًا: أهمية تفكيك السردية الطائفية في قراءة الحرب السورية

1. الحرب لم تكن صراعًا بين «علويين» و«سنّة»
الاختزال القائل إن ما جرى في سوريا هو «ثورة سنّية ضد حكم علوي» اختزال خاطئ وخطير. في معسكر النظام، كان هناك مسؤولون وجنود ومقاتلون من كل الطوائف (سنّة، علويون، مسيحيون، دروز، إسماعيليون وغيرهم). وفي المعارضة، شارك ناشطون ومثقفون من العلويين وغيرهم في الحراك السلمي، قبل أن تُقصيهم الماكينات الطائفية من الطرفين.

الصراع كان – في جذره – بين نظام استبدادي ومطالب شعبية بالحرية، ثم تحوّل إلى حرب وكالة إقليمية – دولية استُخدمت فيها الطائفية كسلاح لتعبئة الشارع وتحطيم أي إمكان لمشروع وطني جامع.

2. العلويون جزء من النسيج الوطني لا «طرف مقابل»
العلويون لم يأتوا من خارج الجغرافيا السورية، ولم يهبطوا من السماء في سبعينيات القرن الماضي. هم أهل الساحل والجبال يعيشون في قراهم منذ قرون، يشاركون باقي السوريين اللغة والثقافة والتاريخ، وقدّموا مفكرين وعلماء ومناضلين ضمن حركات وطنية منذ العهد العثماني وحتى الاستقلال.

أي خطاب يصوّرهم كـ«جسم غريب» أو «طرف محتل» يمهّد – بشكل مباشر أو غير مباشر – لشرعنة العنف ضدهم.

سابعًا: مبادئ منهجية لقراءة التقارير الدولية عن العلويين

لكي تكون التقارير الدولية – سواء من منظمات أو حكومات – أكثر عدالة ودقة في تناول وضع العلويين، لا بد من اعتماد جملة مبادئ:

1. رفض التعميم الطائفي
يجب تجنّب العبارات التي تنسب أفعال النظام إلى «العلويين» كجماعة، واستبدالها بلغة دقيقة تتحدث عن مؤسسات وأفراد ومسؤوليات محددة.

2. التفريق بين الانتماء الديني والمسؤولية السياسية
وجود فرد علوي في موقع سلطة لا يعني أن «الطائفة» مسؤولة عن قراراته، تمامًا كما أن وجود حاكم من طائفة معيّنة في بلد ما لا يجعل طائفته مسؤولة عن كل أفعاله.

3. إدراج تاريخ التهميش في الخلفية التحليلية
يجب ألا تُقرأ مشاركة العلويين في الجيش والحزب بوصفها «فرصة للهيمنة»، بل كاستجابة تاريخية لمسار طويل من التهميش والحرمان من التعليم والوظائف.

4. تسمية الجرائم بأسمائها
ما جرى في الساحل في آذار/مارس 2025، وما تلاه من استهدافات في دمشق ومناطق أخرى، يحتاج إلى توصيف واضح كمجازر ذات طابع طائفي، لا كـ«هجمات متفرقة» أو «أعمال عنف» فقط، مع الدعوة إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة.

5. إشراك أصوات علوية مستقلة
بدلاً من الاعتماد فقط على مصادر رسمية أو منظمات مقرّبة من جهة سياسية معينة، ينبغي تضمين شهادات ومراجع بحثية تمثّل وجهة نظر العلويين أنفسهم، بمن فيهم المعارضون للنظام السابق والمتضررون من السلطة الجديدة في آن واحد.

6. الحذر من التسييس الإقليمي
في منطقة تنهشها الصراعات الإقليمية، تُستخدم الأقليات غالبًا كورقة ضغط. لذلك يجب أن تبقى التقارير الحقوقية مستقلة عن أجندات الدول والجهات المموِّلة، وأن تلتزم بلغة قانونية وحقوقية دقيقة.

ثامنًا: ردّ تفصيلي على مذكرة وزارة الداخلية البريطانية (تموز/يوليو 2025)

هذه الفقرة مخصصة لقراءة نقدية مباشرة لما ورد في مذكرة وزارة الداخلية البريطانية حول «العلويين ومن يُنظَر إليهم كموالين للنظام السابق». سنحاول هنا الرد على أبرز النقاط الواردة فيها، نقطةً نقطة، قدر الإمكان.

1. حول توصيف سقوط النظام وصعود «هيئة تحرير الشام»
تقدّم المذكرة الواقع السياسي السوري بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 على أنه انتقال سلطة إلى «حكومة جديدة» بقيادة هيئة تحرير الشام، وتستخدم تعبيرات قانونية من قبيل «السلطة الحاكمة فعليًا» و«الحكومة الجديدة». المشكلة هنا ليست في ضرورة الاعتراف بواقع السيطرة، بل في اللغة التي تمنح شرعية سياسية ضمنية لتنظيم ذي خلفية متشددة، من دون إبراز كافٍ لطبيعته الأيديولوجية وسجله السابق في التعامل مع المختلفين عقائديًا.

الرد:
– من الناحية الحقوقية، لا يكفي توصيف الجهة المسيطرة كـ«حكومة» كي تُعامَل بوصفها سلطة شرعية تحترم الحقوق، بل يجب تقييم سجلها الفعلي في حماية الأقليات الدينية والسياسية.
– التغاضي عن الخلفية الفكرية والأمنية لهذه الجهة، أو ذكرها بشكل عابر، يخلق انطباعًا مضللًا لدى صانعي القرار في ملف اللجوء بأننا أمام سلطة «عادية» يمكن أن تمنح الحماية للعلويين، بينما الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك في كثير من الحالات.

2. حول تصوير مشاركة العلويين في مؤسسات الدولة كـ«هيمنة طائفية»
تشير المذكرة إلى وجود «حضور كبير» أو «تمثيل مفرِط» للعلويين في أجهزة الدولة السابقة، خاصة في الجيش والأمن. لكن سياق العرض يوحي للقارئ بأن الطائفة ككل كانت «مستفيدة» ومهيمنة، وأن هذا الحضور هو أصل المشكلة.

الرد:
– من الضروري التمييز بين «حضور أفراد من طائفة معيّنة في مؤسسات الدولة» وبين «هيمنة طائفية». الأولى حقيقة اجتماعية – تاريخية؛ الثانية نتيجة قراءة أيديولوجية.
– تجاهلت المذكرة الخلفية الريفية والفقيرة لغالبية المجندين والضباط من العلويين، الذين وجدوا في الجيش منفذًا وحيدًا للترقّي الاجتماعي، شأنهم شأن أقرانهم من طوائف أخرى.
– تركيزها على «الحضور العلوي» في الأجهزة، من دون إضاءة موازية على بنية النظام الأمنية والاقتصادية العابرة للطوائف، يرسّخ الصورة النمطية القائلة إن «الطائفة حكمت سوريا»، وهو ما يسهّل لاحقًا تبرير العقاب الجماعي ضدها.

3. حول توصيف مجازر 6–9 آذار/مارس 2025 على الساحل السوري
تعرض المذكرة أحداث الساحل في آذار/مارس 2025 تحت عنوان «سلسلة من الهجمات»، مع الإشارة إلى تقدير لعدد القتلى يبلغ نحو 800 ضحية، واعتبار أن تقديرات أكبر «يصعب التحقق منها».

الرد:
– استخدام تعبيرات مثل «سلسلة هجمات» أو «أعمال عنف» لتوصيف قتل جماعي استهدف قرى علوية بأكملها، مع تهجير قسري واسع، يقلّل من خطورة الجريمة ويجردها من بعدها الطائفي الواضح.
– الأخطر هو أن المذكرة تضع هذه الأحداث ضمن سياق «انتهاكات متبادلة» في حين أن الوقائع تشير إلى استهداف ممنهج للمدنيين على أساس الهوية المذهبية، وهو ما يقترب من مفهوم «التطهير الطائفي».
– تقديرات الضحايا الأعلى لا يمكن إسقاطها بحجة «صعوبة التحقق» فحسب، بل يجب التعامل معها كإنذار يستوجب تحقيقًا مستقلاً، لا كأرقام مبالغ فيها من أطراف «غير موثوقة».

4. حول تقييم «احترام» السلطة الجديدة للعلويين
تشير المذكرة إلى أن «كثيرًا من العلويين» يذكرون أن المعاملة من قبل السلطة الجديدة كانت «محترمة»، وأن الوعود بعدم الانتقام قد خففت المخاوف الأولى، ثم تُتبع ذلك بذكر أحداث الساحل بوصفها استثناءً أو بذرة انحراف.

الرد:
– لا يمكن الاستناد إلى شهادات انتقائية في ظروف خوف وقمع لتكوين صورة مطمئنة عن وضع طائفة بأكملها، خاصة عندما تكون هذه الطائفة في موقع ضعف.
– الواقع أن العلويين اليوم يعيشون تحت تهديد مزدوج: تهديد مباشر من جهات مسلحة تحمل خطابًا عدائيًا تاريخيًا تجاههم، وتهديد غير مباشر من خطاب إعلامي وسياسي يربطهم جماعيًا بالنظام السابق.
– عرض بضع شهادات «إيجابية» لا ينفي وجود خوف عميق وتهديد واقعي، بل قد يسهم في التقليل من حاجتهم إلى الحماية الدولية.

5. حول توصيف العلويين كـ«بقايا النظام» و«المرتبطين بالأسد»
حتى عندما تحاول المذكرة الاعتراف بأن كثيرًا من العلويين لم يكونوا جزءًا من النظام السابق، فإنها تستمر في استخدام تعبيرات من قبيل «يُنظر إليهم كموالين»، «بقايا النظام»، «المستفيدين من حكم الأسد».

الرد:
– هذه اللغة تعيد إنتاج الصورة النمطية التي تبرر العنف: بما أن الطائفة «مستفيدة»، فلا غرابة أن تدفع الثمن الآن. وهذا منطق عقاب جماعي مرفوض حقوقيًا وأخلاقيًا.
– المطلوب هو تأكيد مبدأ فردية المسؤولية القانونية: من يثبت تورطه في انتهاكات يُحاسَب بصفته الفردية، وليس كعضو في جماعة دينية معينة.
– الإصرار على ربط هوية العلوي سياسيًا بالنظام السابق يعرّضهم لمزيد من الاستهداف في الداخل، ويصعّب في الوقت نفسه حصولهم على حماية عادلة في ملفات اللجوء، لأن الشكّ في «تورّطهم» يصبح الأصل لا الاستثناء.

6. حول مسألة الحماية الداخلية وإمكانية الانتقال داخل سوريا
تقرّ المذكرة بأن العلويين يواجهون «خطرًا حقيقيًا» من الدولة الحالية أو من جهات غير رسمية، لكنها تترك المجال مفتوحًا أمام نقاش «إمكانية الحماية» و«الانتقال الداخلي»، مع تأكيد على ضرورة دراسة كل حالة على حدة.

الرد:
– إذا كانت السلطة الحاكمة عمليًا هي نفسها أو قريبة من الجهات التي يتهمها كثير من الشهود بالضلوع في مجازر الساحل والاستهداف الطائفي، فمن غير الواقعي افتراض أنها قادرة أو راغبة في حماية العلويين.
– الانتقال الداخلي يفترض وجود منطقة آمنة ضمن البلد ذاته، بينما واقع العلويين اليوم هو الشعور بالتهديد في أماكن وجودهم التقليدية، مع محدودية قدرتهم على الذوبان في مجتمعات أخرى بسبب الوصم الطائفي والإعلامي.
– أي حديث عن «حماية فعّالة» داخل سوريا للعلويين، في ظل السلطة الحالية، يحتاج إلى أدلة قوية ومستقلة، لا إلى وعود سياسية أو بيانات رسمية، وهي أدلة غير متوفرة حتى الآن على نطاق يبعث على الاطمئنان.

باختصار، يمكن القول إن مذكرة وزارة الداخلية البريطانية، رغم اعترافها النظري بخطر الاضطهاد الذي يواجهه العلويون، تقع في عدد من الأخطاء المنهجية:
– تعيد إنتاج سردية تربط الطائفة ككل بالنظام السابق.
– تقلّل من حجم وخطورة المجازر التي تعرّضوا لها بعد سقوط النظام.
– تمنح شرعية ضمنية لسلطة جديدة ذات سجل إشكالي في احترام التنوع الديني.
– لا تمنح الوزن الكافي لعوامل الخوف التاريخي والتهميش والوصم الطائفي في قراءة وضعهم الراهن.

خاتمة

إن تصحيح السرديات المغلوطة حول العلويين ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية ومعرفية:

– أخلاقية، لأن استمرار شيطنة جماعة بأكملها يشرعن العنف ضد أبنائها ويحرم الضحايا من الاعتراف بمعاناتهم.
– ومعرفية، لأن أي قراءة سطحية أو طائفية لتاريخ سوريا وحاضرها ستقود إلى تحليلات وسياسات خاطئة، خاصة في مجالات اللجوء والحماية.

العلويون اليوم ليسوا «حكام الأمس» كما تحب بعض السرديات أن تصوّرهم، بل هم – إلى جانب غيرهم من السوريين – ضحايا الحاضر، يدفعون ثمن نظام لم يمثلهم، وثمن حرب خُطِفَت بخطابات الكراهية وسلاح التدخلات الخارجية.

الطريق نحو سوريا أكثر عدلاً يمرّ عبر:
1. الاعتراف بكل الضحايا، بغضّ النظر عن طوائفهم.
2. رفض التعميم والاتهامات الجماعية.
3. الدفاع عن حق كل مكوّن – ومنهم العلويون – في العيش بكرامة وأمان، لا كمتهمين دائمين ولا كـ«بقايا نظام»، بل كمواطنين كاملي الحقوق في وطنٍ لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمذهبه، بل بإنسانيّته.