يمكنك التواصل مع إدارة الموقع عبر البريد الالكتروني: [email protected]
لسنا أقليات… نحن الجذور الأولى لهذه الأرض
نحن العلويون والمسيحيون، لسنا ظلالًا عابرة على حواف هذا الشرق، ولا أسماءً طارئة في سجلّ أرضٍ أقدم من الدول، وأبقى من الخرائط، وأعمق من كل السرديات التي حاولت أن تختزلها أو تنتزع منها روحها. نحن من أبناء هذه البلاد الأولى، من مائها وترابها وحجارتها، من صمت جبالها، ومن صلاة القرى التي تعاقبت عليها القرون ولم تنطفئ.
قبل أن تمتدّ الأيدي الغريبة لترسم الحدود فوق جسد المشرق، وقبل أن تُقتسم الأرض في خرائط السياسة ومصالح الإمبراطوريات، وقبل أن تنزل على هذه البلاد جيوش العنف وعقائد الإلغاء وأعلام الكراهية، كنا هنا. كنا في سفوح الجبال، وعلى امتداد الساحل، وفي القرى التي تحفظ أسماء أهلها كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. كنا نزرع المواسم في التراب، ونبني البيوت من حجرٍ وصبر، ونوقد في الروح نار المعنى، ونرفع إلى السماء صلواتٍ تعددت في الألسن والهيئات، لكنها اتحدت في محبتها لهذه الأرض ووفائها لها.
هذه الأرض لم تكن لنا عنوانًا عابرًا، ولا مجرّد موضع إقامة تحدده وثيقة أو سلطة أو طارئ سياسي. كانت، وما زالت، ذاكرة الوجود نفسه. فيها خطا أجدادنا خطواتهم الأولى، وفيها واروا موتاهم، وفيها صاغوا علاقتهم بالله والإنسان والمصير. في كنائسها، وفي مقاماتها، وفي ينابيعها، وفي حجارة بيوتها القديمة، ما يشهد أن وجودنا ليس ملحقًا بتاريخها، بل أحد أصوله العميقة، وأحد أنفاسه الأولى.
لهذا يبدو وصفنا بـ”الأقليات” وصفًا جائرًا، لا لأنه ينتقص من عددٍ أو حضور فحسب، بل لأنه يطمس الحقيقة من جذورها. ففي هذا الوصف ما يحيل الشعوب الأصيلة إلى هوامش، وما يجعل أصحاب الأرض كأنهم ضيوف في ديارهم، أو جماعات تنتظر اعترافًا من قوى جاءت بعدهم بقرون. والحقيقة أن من وُلد من رحم المكان، وحفظ ذاكرته، ودفع من دمه وألمه ثمن البقاء فيه، لا يجوز أن يُختزل في مصطلحٍ سياسي بارد ينزع عنه أصالته، ويجرّده من عمقه التاريخي والروحي.
نحن لسنا أقليات بالمعنى الذي يراد لنا أن نقبله. نحن من البنية الأولى لهذا المشرق، من طبقاته الأقدم، من ملامحه التي لم تصنعها اللحظة الحديثة، بل صاغتها قرون طويلة من الحضور والصبر والتجذر. نحن من أولئك الذين لم يأتوا إلى الأرض فاتحين، ولا مرّوا بها عابرين، بل خرجوا من طينها، واستقروا في وجدانها، وصاروا بعضًا من صوتها الداخلي، ومن ذاكرتها التي لا تموت.
وفي الأزمنة القاسية، حين تعالت أصوات التعصب، وانحدرت على هذه البلاد جماعات لا ترى في التنوع إلا خطرًا، ولا في الإنسان إلا تابعًا أو خصمًا، لم يكن الاستهداف موجّهًا إلى الأجساد وحدها، بل إلى المعنى نفسه: إلى الذاكرة، إلى الجذور، إلى الشهادة الحية على أن لهذه الأرض أهلًا أقدم من كل الرايات التي رُفعت عليها بالقوة. هُدمت كنائس، وأُفرغت قرى، وتشتت عائلات، وسار كثيرون إلى المنافي مثقلين بوجع لا يوصف، لا لأنهم اقترفوا ذنبًا، بل لأن هويتهم وحدها كانت كافية لتجعلهم هدفًا للإقصاء والتكفير والرعب.
وما أقسى أن يُطرد الإنسان من أرضٍ تحفظ اسمه، وأن يُطلب منه أن يبرر حقه في البقاء في موضعٍ دفن فيه أجداده أحلامهم وعظامهم وصلواتهم. وما أشدّ مرارة أن يُعامل أبناء التاريخ كأنهم عثرة في طريق الطارئين، أو كأن جذورهم القديمة جريمة لا بد من اقتلاعها. إن المأساة هنا ليست في الخراب المرئي وحده، بل في محاولة محو الذاكرة، وكسر العلاقة بين الإنسان ومكانه، وتحويل الوطن من حضنٍ تاريخي إلى ساحة خوف دائم.
ومع ذلك، فإننا لا ننطق من منبر الحقد، ولا نكتب بلغة الثأر، ولا نطلب أن نستبدل ظالمًا بظالم، أو إقصاءً بإقصاء. ما نطلبه أعدل من ذلك وأبقى: أن يُعترف بالحقيقة كما هي، لا كما تشتهيها الروايات الغالبة. أن يُعترف بأن لنا في هذه الأرض حقًا ليس منحةً من أحد، بل ميراثًا من التاريخ والوجدان والدم والذاكرة. أن نعيش فيها بكرامة، لا بخوف. أن نحيا فيها باعتبارنا أهلًا أصيلين، لا أجسامًا مهددة في كل حين. أن تُصان بيوتنا وكنائسنا وقرانا وجبالنا، لا بوصفها آثارًا جامدة، بل لأنها الامتداد الحيّ لوجودنا نفسه.
نحن نطلب السلام، لكن لا السلام الذي يُشيّد فوق الصمت عن الجراح، ولا السلام الذي يُشترى بإنكار الحقيقة.
نطلب الكرامة، لا التسلط.
ونطلب الأمان، لا الامتياز.
ونطلب أن يبقى الوطن وطنًا، لا أن يتحول إلى قفصٍ تُقصى منه ذاكرته الأقدم، ويُترك فيه المجال للأشد قسوة والأعلى صوتًا.
إن العلويين والمسيحيين ليسوا فصلًا هامشيًا في كتاب هذه البلاد، بل من متنها العميق، من عباراتها الأولى، من تلك السطور التي لو مُحيت لاختلّ معنى الكتاب كله. هم من حفظوا في غرب سوريا معنى الاستمرار، ومعنى الإيمان، ومعنى التشبث بالأرض في وجه العواصف. وهم من بقوا، رغم الفواجع، شهودًا على أن المشرق لم يكن يومًا أرض لونٍ واحد، ولا عقيدةٍ واحدة، ولا صوتٍ واحد يُفرض على الجميع بحدّ السيف.
لقد آن لهذه الحقيقة أن تُقال بلغةٍ لا ترتجف، وبصوتٍ لا يعتذر عن نفسه: لا يجوز أن يُعامل أبناء هذه الأرض الأصليون كأنهم فائضٌ بشري في أوطانهم، ولا أن يُختزل وجودهم في معادلات القوة العابرة. فالأرض التي تُقتلع منها جذورها تفقد روحها، والوطن الذي يُنكر ذاكرته إنما يحفر فراغه بيده.
إلى كل من لا يزال يؤمن بأن للعدالة معنًى، وبأن التاريخ ليس ملك المنتصرين وحدهم، وبأن الشعوب الأصيلة ليست مادة للنسيان ولا ضريبة تُدفع على موائد التسويات: إن الوقوف مع أبناء هذه الأرض ليس موقفًا طائفيًا، بل موقف أخلاقي وإنساني وحضاري. إنه دفاع عن حق الذاكرة في أن تبقى، وعن حق الإنسان في ألا يُنفى من نفسه ومكانه، وعن حق المشرق في أن يظل وفيًا لتعدده العريق، لا أسيرًا لأشدّ نسخه ظلمةً ووحشية.
نحن هنا منذ البدايات.
كنا هنا قبل الخرائط، وقبل الجيوش، وقبل أزمنة الادعاء.
ونحن هنا اليوم، رغم الانكسارات والتهجير ومواسم الألم.
وسنبقى هنا، لأن جذورنا ليست وهمًا، ولأن هذه الأرض تعرفنا كما نعرفها، وتحفظ أسماءنا كما نحفظ اسمها، وتشهد — في حجارتها ومائها وهوائها وذاكرتها — أننا لسنا غرباء عنها، بل من صميم روحها الأولى.
