تعرض العلويون لأكثر من 6 مذابح ضخمة أبرزها عام 1218 حيث أرسلوا طلب استغاثة بالأمير المكزون السنجاري أمير جبل سنجار لنجدتهم في الساحل السوري خاصة اللاذقية وبانياس حيث اجتمع عليهم جيوش من الأيوبيين وبعض الفصائل المنتمية للطائفة النزارية المعروفة بالحشاشين آنذاك 

ثاني مجزرة حدثت عام 1516 على أيدي العثمانيين بظل حكم سليم الأول في منطقة التلل في حلب حيث جُمعت رؤوس العلويين على شكل تلل في محاولة من العثمانيين بإبادة الطائفة العلوية، ولكن هرب بعضهم ومن نجي منهم إلى أقربائهم في جبال الساحل السوري حيث بقيوا مئات السنين مختبئين خوفاً من الاضطهاد والمذابح الجديدة 

ثالث المجازر هي ممتدة من 1860 إلى 1925 في آخر سنين الدولة العثمانية حيث ازداد اضطهاد المكونات العرقية والدينية في تركيا وسوريا ومن أبرزها المجازر الكبرى التي حصلت ضد الأرمن والسريان والكلدان والآشوريين والعلويين في 1915 حيث تجاوز عدد الضحايا ال 5 مليون من جميع المكونات المذكورة وغيرها. 

رابع مجزرة كانت عام 1964 في عهد الرئيس السوري أمين الحافظ خاصة في منطقة حماه السورية حيث هاجموا قرى العلويين والمسيحيين وقاموا بقتل مئات من سكانها في محاولة لتطهير عرقي من المنطقة لاسترجاع الحلم العثماني والسلطة الاخوانية  

خامسها امتدت من 1976 إلى 1983 بقيادة ما يسمى بجماعة الأخوان المسلمين أيضا وفي عهد الرئيس السوري حافظ الأسد حيث قاموا بمذابح ممنهجة بحق الأطباء والمهندسين والضباط وطلاب الجامعات وبمحاربة أي شخصية علوية متعلمة فحدثت أحداث طلاب كلية المدفعية وتفجير حافلات مصياف واغتيالات لكل من وصلوا إليه من أطباء ومهندسين في جبلة واللاذقية وطرطوس وبانياس ومشق وحمص وحماه من العلويين  

آخرها مجزرة الساحل السوري 2025 التي سميت بمجزرة القرن من شدة فداحتها حيث راح ضحيتها ما لا يقل عن 10 آلاف ضحية تصفية عرقية لعائلات بالكامل خلال 48 ساعة فقط قام بها فصائل تابعة لحكومة دمشق التي يقودها احمد الشرع بالإضافة لدعم تركي بتحديد مناطق تواجد العلويين بخرائط وبعض المساعدة من السكان المحليين من سنة وتركمان وفي النهاية لم يحاسب أي مرتكب لأي مجزرة بحق العلويين من القدم إلى هذه اللحظة ولم ينصفهم أحد، بل واجتمع عليهم القادة حتى تحت مسمى مصالح دولية.

اضطهاد العلويين تحت الحكم العثماني: من مجزرة التلل (1517) إلى مذابح التهجير (1915)

لا يمكن فهم معاناة العلويين في سوريا وتركيا اليوم بمعزل عن قرون من الاضطهاد المنظم الذي تعرضوا له تحت الحكم العثماني. فعلى مدى أربعمائة عام، شكل العلويون هدفاً لحملات عسكرية وإبادة جماعية وتشريد قسري، امتدت من مجازر سليم الأول في القرن السادس عشر إلى مذابح التهجير التي تزامنت مع الإبادة الجماعية للأرمن في بداية القرن العشرين .

هذا التقرير يستعرض بالتوثيق التاريخي أبرز المحطات الدموية في اضطهاد العلويين عثمانياً، مع التركيز على مجزرة “التلل” التي أعقبت معركة مرج دابق عام 1516، والمجازر التي طالتهم خلال فترة “الإبادة الأرمنية” (1915-1916) والتي طُمست في الخطاب التاريخي السائد بسبب ضآلة أعداد ضحايا العلويين مقارنة بالأرمن، أو بسبب التعتيم المتعمد.

لم يكن الصراع العثماني مع العلويين صراعاً سياسياً، بل كان نهج إبادة بامتياز. فمنذ بداية تأسيس الدولة العثمانية، نظر السلاطين ورجال الدين العثماني إلى العلويين – باعتبارهم “زنادقة” و”خوارج” عن المذهب السني الحنفي الرسمي ..

فتاوى التكفير: الأساس الشرعي للإبادة

شكلت فتاوى علماء الدين العثمانيين الغطاء الشرعي لعمليات القتل الجماعي. ففي عهد بايزيد الثاني (1481-1512)، صدرت أولى الفتاوى الصريحة بتكفير “العلويين”، حيث وصفهم المفتي حمزة سارو غوريز بأنهم “كفار” يجب قتلهم. كما ورد في خطاب للسلطان بايزيد الثاني عام 1501 أمر بإعدام جميع العلويين الذين يتم أسرهم .

لكن أخطر الفتاوى صدرت في عهد سليم الأول (1512-1520) من قبل شيخ الإسلام الإرهابي ابن كمال (المعروف بـ”زنبيلي أفندي”) وفتوى الشيخ الإرهابي ابن تيمية، والتي أجازت قتل العلويين والموالين لأهل البيت، واستباحة دمائهم وأموالهم، بحجة أنهم “رافضة” و”خوارج” عن الملة. هذه الفتاوى كانت الأساس النظري لأكبر حملة إبادة ضد العلويين في التاريخ العثماني .

مجزرة التلل (1517): المحطة الأكثر دموية في اضطهاد العلويين

التوسع العثماني والاستهداف الممنهج

جاءت مجزرة “التلل” في سياق التوسع العثماني الدموي في الأراضي السورية، حيث شكل العلويون في الأناضول والشام عقبة كأداء في مشروع الإمبراطورية العثمانية التوسعي. نظر إليهم العثمانيون – ولا سيما السلطان سليم الأول – باعتبارهم تهديداً وجودياً لا يمكن تطويعه أو استيعابه، مما جعلهم هدفاً مباشراً لحملات تصفية منظمة وممنهجة.

عندما اعتلى سليم الأول العرش بعد خلع والده بايزيد الثاني وتصفية إخوته في تقليد عثماني دموي معروف، كان أول قراراته الكبرى هو شن حملة عسكرية شاملة ضد العلويين، قبل التوجه لقتال الصفويين أو المماليك. هذا يكشف أن الوجود العلوي كان يشكل هاجساً وجودياً للسلطان العثماني الجديد.

الذاكرة الجمعية لمجزرة التلل

تعد مجزرة التلل من المجازر الشهيرة التي تتناقلها ألسن العلويين بكل أسى وحزن منذ قرون، والتي أدت إلى “شبه إنهاء الوجود العلوي في مدينة حلب”، تلك المدينة التي كانت تضم واحدة من أقدم وأعرق التجمعات العلوية في بلاد الشام.

فبعد معركة مرج دابق عام 1516م، التي مهدت الطريق أمام العثمانيين لدخول الشام، دخل السلطان سليم الأول حلب محملاً بأحقاد عميقة على العلويين، ويعمل بفتاوى التكفير الصادرة عن ابن تيمية والتي وجدت في العقلية العثمانية أرضاً خصبة للتنفيذ.

تفاصيل المجزرة المروعة

كانت مجزرة التلل جريمة بهذا الحجم لدرجة أن الجثامين تكدست في وسط المدينة مشكلة تلالاً بشرية، ومن هنا جاءت التسمية: “التلل” جمع “تل”، أي التلال المصنوعة من جثامين الضحايا.

اختلفت التقديرات التاريخية لعدد الشهداء:

  • البعض قدر العدد بحوالي أربعين ألفاً
  • والبعض قال تسعون ألفاً
  • وقيل أيضاً مئتا ألف شهيد

ولم تكن الضحايا من فئة واحدة، بل شملت: الرجال والأطفال والنساء وكبار السن وعلماء الطائفة وقادتها الروحيين. وقد وصفت المصادر التاريخية أن الدماء الزكية سالت في شوارع حلب كالسيل الجارف، مما يشير إلى حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

موقع التلل وأصل التسمية

تقع منطقة التلل على بعد حوالي 2 كيلومتر غرب قلعة حلب. وقد جاءت تسميتها من تلك الرؤوس الشريفة التي حزّها المجرمون استجابة للفتاوى التكفيرية، و”شَرعنة” الجريمة تحت غطاء “الكتاب والسنة” المزعوم.

الوثيقة العثمانية: دليل مادي على الإبادة

توجد وثيقة تاريخية بالغة الأهمية محفوظة في مكتبة ستراسبورغ الوطنية الجامعية الفرنسية، قسم المخطوطات العربية، وهي رسالة وجهها قائد الحملة العسكرية العثمانية على المناطق العلوية إلى السلطان سليم الأول. نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تحيات إجلال مقامات:

تنفيذاً لأوامر السعادة، فقد تمَّ تنفيذ القرارات والتوصيات، وقتل كل ما وقع علينا من قرى العلويين حتى أدغال الجسر وباب النسر، إلى شيزر ووادي خالد، حتى كتب لنا النصر، ولن يكون لهم وجود بعد الآن على مرّ الزمان، وخلصت البلاد من آفة وعلّة الفساد، واستتبّ دين الإسلام في بلاد الشام، ولم يبقَ للعلويين دياراً ولن يعيشوا على أرض السلطان العظيم سليم، وقد أكلت بقاياهم وحوش الجبال وتماسيح الغاب، والعيش للسلطان بالرغاب، والله الموفق للصواب.**

هذه الوثيقة الصادمة تكشف بوضوح طبيعة الإبادة المنظمة:

  • كانت حملة ممنهجة استهدفت قرى العلويين بشكل كامل
  • امتدت من منطقة أدغال الجسر وباب النسر إلى شيزر ووادي خالد
  • الهدف المعلن: “لن يكون لهم وجود بعد الآن على مر الزمان”
  • التبرير الديني: تخليص البلاد من “آفة الفساد” وإقامة “دين الإسلام”
  • مصير الناجين: تركهم لتفترسهم وحوش الجبال وتماسيح الغاب

التسجيل الديموغرافي: آلية التنفيذ

تمثل هذه الحملة العثمانية أول عملية “تسجيل ديموغرافي” منظمة في التاريخ لأغراض التصفية. فقد أرسل سليم الأول كتبة إلى كل منطقة لتسجيل أسماء العلويين من سن السابعة إلى السابعة والسبعين، ثم جرى استدعاؤهم بحجة “المحاكمة” قبل تصفيتهم جماعياً.

أسفرت هذه العملية المنهجية عن ذبح حوالي 40,000 من الذكور العلويين في حملة استباقية، قبل أن يتوجه سليم لقتال الصفويين والمماليك، مما يؤكد أن الوجود العلوي كان الهدف الأول في مشروعه التوسعي.

الامتداد التاريخي: من مجزرة التلل إلى المجازر الحديثة

ما جرى في التلل ليس حدثاً تاريخياً منعزلاً، بل هو النموذج الأول لسلسلة متصلة من المجازر التي ارتكبت بحق العلويين في سوريا عبر العصور. فالفتاوى التكفيرية ذاتها، والعقلية الإقصائية نفسها، والآلية التنفيذية ذات الطابع الممنهج، كلها تجددت في العصر الحديث على يد تنظيمات إرهابية مسلحة تعتبر نفسها استمراراً لذلك النهج.

إن أسلاف هذه التنظيمات الإرهابية هم الذين نفذوا مجزرة التلل، وهم الذين ارتكبوا أبشع المجازر بحق العلويين في سوريا عبر التاريخ الممتد من 1516 إلى يومنا هذا:

  • مجازر الذبح وأكل لحوم الأطفال في ريف اللاذقية
  • حرق الأطفال في أفران عدرا العمالية
  • الذبح والسلخ وبقر البطون في حمص
  • شي الرؤوس في إدلب
  • سحل الأجساد في الرقة
  • وغيرها الكثير من الجرائم الموثقة

إن تنظيمات داعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها من التنظيمات الإرهابية المسلحة هي الامتداد الطبيعي للعقلية التكفيرية ذاتها التي أنتجت مجزرة التلل قبل خمسة قرون، والتي تتعامل مع الوجود العلوي في سوريا باعتباره “آفة” يجب استئصالها و”فساداً” يجب تطهير الأرض منه، مهما كان الثمن من أرواح الأطفال والنساء والشيوخ.

عواقب مجزرة التلل

بعد مجزرة التلل وحملات سليم الأول، انسحب العلويون إلى المناطق الجبلية في الساحل السوري (جبال اللاذقية) هرباً من الإبادة. وصف أحد الباحثين هذه المرحلة قائلاً: “تركوا في الجبال محاصرين بلا طعام ولا مأوى لتأكلهم الضباع والوحوش، إلا أن إرادة الله تمثّلت بإرادة صلبة عند العلويين حيث صدموا العالم ببقائهم أحياء” .

هذه العزلة القسرية في الجبال استمرت لقرون، وشكلت وعي الأقلية العلوية المتمركز حول البقاء والحذر من السلطة المركزية السنية.

العلويون ومذابح الأرمن (1915-1916) – الإبادة الموازية المنسية

بعد أربعة قرون من مجازر سليم الأول، عادت سياسة الإبادة العثمانية لتطل برأسها من جديد. ففي 24 أبريل 1915، ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى، أمرت حكومة “الاتحاد والترقي” (تركيا الفتاة) باعتقال وقتل وتهجير مئات الآلاف من الأرمن في عملية وصفتها غالبية الدول والمؤرخين بأنها أول إبادة جماعية في القرن العشرين .

تشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا الأرمن يتراوح بين 800,000 وأكثر من مليون ونصف المليون قتيل، قضوا في مجازر جماعية و”مسيرات موت” منظمة إلى بادية الشام، حيث تعرضوا للنهب والاغتصاب والقتل على طول الطريق . وقد اعترفت أكثر من 30 دولة بهذه الأحداث كإبادة جماعية، من بينها الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وفرنسا .

العلويون في فلك الإبادة: ضحايا صامتون

ما يغيب عن الخطاب التاريخي السائد حول الإبادة الأرمنية هو أن العلويين كانوا أيضاً ضمن دائرة الاستهداف العثماني في تلك الفترة، لكن أعدادهم الأقل جعلتهم يندمجون في الرواية الأكبر أو يُنسون تماماً.

هناك عدة أسباب تجعل مجازر العلويين في تلك الفترة أقل توثيقاً:

  1. صغر العدد: عدد العلويين كان أقل بكثير من الأرمن، لذا لم تلفت مجازرهم الانتباه الدولي.
  2. التغطية الإعلامية: اهتمام الإعلام الغربي والدبلوماسية الأوروبية كان منصباً على المسيحيين الأرمن بشكل أساسي.
  3. غياب الشتات العلوي: لم يكن للعلويين شتات قوي في أوروبا وأمريكا مثل الأرمن، مما قلل من قدرتهم على توثيق مأساتهم دولياً.

ما تقوله الوثائق عن استهداف العلويين (1915-1916)

رغم ندرة التوثيق، تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن سياسة “التتريك” التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي لم تستهدف المسيحيين فقط، بل طالت أيضاً المجموعات غير السنية، وفي مقدمتهم العلويون .

فقد اعتبر القوميون الأتراك العلويين امتداداً للأرمن. وقد تعرض العلويون في مناطق عديدة لحملات تطهير وتشبه إلى حد كبير ما جرى للأرمن، لكن على نطاق أصغر .

منطقة جبل العلويين (الساحل السوري) لم تكن بمنأى عن هذه الحملات. ففي 1915-1916، ومع اتساع رقعة المجازر ضد الأرمن في الأناضول وشمال سوريا، كان العلويون يعيشون تحت وطأة الاحتلال العثماني. بعض الوثائق تشير إلى عمليات قتل وتشريد لعلويين في مناطق مثل أنطاكيا واللاذقية.

مجازر متعددة الاتجاهات: السريان واليونانيون أيضاً

يشير بعض المؤرخين إلى أن الإبادة الجماعية للأرمن كانت جزءاً من سياسة موحدة اتبعتها حكومة تركيا الفتاة ضد مجموعات إثنية ودينية متنوعة، شملت السريان (الذين قتل منهم حوالي 250,000) واليونانيين (الذين قتل منهم مئات الآلاف) . إدراج العلويين ضمن هذه السياسة كان استمراراً لفتاوى التكفير التاريخية ضدهم والنظرة العثمانية التقليدية لهم ك شعب حر غير قابل للتطويع والاندماج مع الإرهاب العثماني.

الشاهد الحي: مقابر جماعية تنتظر الكشف

كما هو الحال مع الأرمن، هناك أدلة على وجود مقابر جماعية لعلويين قتلوا في تلك الفترة، خاصة في مناطق شرق وجنوب شرق الأناضول. التقارير التركية الرسمية تشير إلى اكتشاف 185 مقبرة جماعية في تلك المناطق تعود لعلويين قتلوا على أيدي القوات العثمانية.

ما بعد الإبادة – الاستمرار في النسيان – غياب الاعتراف الدولي

خلافاً للأرمن الذين نجحوا عبر لوبي قوي في حصولهم على اعتراف دولي متزايد بإبادتهم، لم يتمكن العلويون من تحقيق أي اعتراف مماثل بمجازرهم. ففي الوقت الذي اعترفت فيه أكثر من 30 دولة (بما فيها الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا) بالإبادة الأرمنية ، لا تزال مأساة العلويين العثمانيين حبيسة الكتب المتخصصة والذاكرة الشعبية.

الدولة التركية الحديثة، ورثة الدولة العثمانية، تواصل سياسة الإنكار ليس فقط للإبادة الأرمنية، بل ولأي اضطهاد منهجي ضد العلويين. فالمصادر التركية الرسمية تصر على وصف ما جرى للأرمن بأنه “تهجير ضروري في زمن الحرب” وليس إبادة ، وتنفي بشكل قاطع حدوث أي اضطهاد ديني للعلويين، رغم وجود وثائق عثمانية واضحة تشير إلى عكس ذلك.

إن تاريخ العلويين تحت الحكم العثماني هو تاريخ من الدم والاضطهاد المتواصل:

  1. القرن السادس عشر: مجازر سليم الأول وحملات التصفية ضد “العلويين”، وبلغت ذروتها في “مجزرة التلل” (1517) والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف.
  2. القرن السابع عشر: استمرار الاحتجاجات العلوية ضد التهميش ومنع بناء المدارس والتعليم والرد عليها بحملات عسكرية عنيفة .
  3. القرن التاسع عشر: مذابح دورية في عهد “الحميدية”، وإن كانت أقل حدة مما سبق .
  4. القرن العشرون (1915-1916): مجازر متزامنة مع الإبادة الأرمنية، وإن كانت أقل عدداً وأقل توثيقاً، استهدفت العلويين في الأناضول وشمال سوريا.

ما يميز هذه الجرائم هو:

  • الاستمرارية: لم تكن حوادث منعزلة، بل سياسة منهجية امتدت لأربعة قرون.
  • الغطاء الديني: فتاوى التكفير (من ابن تيمية مروراً بعلماء العثمانيين) كانت الأساس النظري للإبادة .
  • الطابع الديموغرافي: كانت تهدف إلى إبادة جماعية أو على الأقل تهجير قسري وتفريغ مناطق بأكملها من سكانها العلويين.
  • التعتيم: عدم توثيق هذه الجرائم بالشكل الكافي، سواء في الأرشيف العثماني أو في الروايات التاريخية العربية والغربية.

يبقى السؤال: هل سينال ضحايا العلويون عبر العصور العثمانية اعترافاً تاريخياً مماثلاً لما ناله الأرمن؟ أم سيبقون ضحايا صامتين في زوايا التاريخ المنسية؟

الإجابة تكمن في قدرة العلويين أنفسهم على توثيق مأساتهم ورفع صوتها، وفي استعداد المجتمع الدولي للاستماع إلى مآسي جميع الضحايا، بغض النظر عن هويتهم الدينية أو عددهم. فالعدالة لا تتجزأ، والذاكرة الجماعية للإنسانية يجب ألا تنتقي ضحاياها على أساس العدد أو الدين أو الموقع الجيوسياسي.

مجازر تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي في سوريا – مجازر طائفية وإرهاب دموي ضد العلويين – منذ تأسيس التنظيم 1928 حتى يومنا هذا

الإخوان المسلمون في سوريا ليسوا جماعة دعوية ولا حركة إصلاح، بل تنظيم إرهابي دموي ارتبط اسمه بالمجازر والاغتيالات والتحريض الطائفي. وأبشع ما في سجلهم في سوريا أنهم لم يكتفوا بالقتل السياسي، بل نقلوا عنفهم إلى مستوى الاستهداف الجماعي للعلويين، فارتكبوا بحقهم مجازر وعمليات تصفية على أساس الهوية الطائفية، لتبقى جرائمهم واحدة من أكثر الصفحات سوادًا في تاريخ سوريا الحديث.

كانوا تنظيمًا قائمًا على التعبئة العقائدية، والتحريض الطائفي، والعمل الإرهابي المسلح. وفي سوريا، لم يكن حضورهم مجرد خطاب أو خصومة عابرة، بل تَرجَموا مشروعهم إلى مذابح واغتيالات وعمليات قتل جماعي استهدفت العلويين على أساس الهوية والانتماء، لا على أساس أي فعل فردي.

العلويون في سوريا كانوا من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذا النهج الدموي. فالإخوان لم يكتفوا بالتحريض ضدهم، بل نقلوا هذا التحريض إلى عمليات تصفية وقتل مباشر. ومع تصاعد نشاطهم المسلح في السبعينيات وبداية الثمانينيات، تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لإرهابهم الطائفي، حيث صار العلوي يُستهدف لأنه علوي، ويُقتل لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة، لا لأنه طرف في معركة.

ومن أبشع الجرائم التي ارتبطت باسمهم مجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، وهي من أكثر المجازر دلالة على طبيعة التنظيم الحقيقية. ففي تلك الجريمة، جرى فرز الضباط الطلاب على أساس طائفي، ثم قُتل عشرات العلويين قتلًا جماعيًا داخل المدرسة. هذه الواقعة لا يمكن وصفها إلا كما هي: مجزرة إخوانية طائفية، قائمة على الكراهية والفرز المذهبي والإبادة الجماعية الجزئية بحق مجموعة محددة من السوريين.

ولم تكن هذه المجزرة حادثة منفصلة، بل كانت جزءًا من سلسلة من الاغتيالات والتصفيات التي طالت علويين في مواقع مختلفة، بمن فيهم متعلمون وأكاديميون وأشخاص من النخبة المدنية والعلمية. لم يكن هدف الإخوان مجرد القتل، بل بث الرعب داخل المجتمع العلوي، وتحويل الهوية الطائفية إلى حكم بالإعدام. وهكذا صار الاغتيال عندهم أداة يومية، وصارت الدماء وسيلتهم لإثبات الوجود وفرض الحضور.

امتدت جرائمهم في سوريا إلى ما هو أبعد من الاغتيال الفردي، فوصلت إلى حملات قتل جماعي وهجمات مسلحة زرعت الخوف في المدن والأحياء، ورسخت صورة التنظيم بوصفه تنظيمًا إرهابيًا مذهبيًا لا يتورع عن استباحة المدنيين إذا كانوا من الطائفة التي يحرّض ضدها. ولم يكن العلويون بالنسبة إليهم مجرد خصم، بل كانوا هدفًا جماعيًا للتحريض والقتل، وهذا ما يجعل الحديث عن “مجازر الإخوان ضد العلويين” وصفًا مطابقًا لحقيقة ما جرى.

ومن أبشع الجرائم التي ارتبطت بمسار الإخوان المسلمين المسلح في سوريا مجزرة الأزبكية في دمشق يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1981، حين دوّى تفجير بسيارة مفخخة في حي مكتظ بالسكان قرب مدرسة وشارع بغداد، فسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى من المدنيين. وقد عُدّت الأزبكية واحدة من أكثر الهجمات الإرهابية دموية في تلك المرحلة، وارتبطت على نطاق واسع بموجة التفجيرات التي نُسبت إلى الإخوان المسلمين في دمشق أواخر عام 1981.

وفي حماة وغيرها من المدن، لم يكن سلوكهم سلوك جماعة احتجاج أو تنظيم اجتماعي، بل سلوك تنظيم مسلح يتخذ من الدم وسيلة ومن الكراهية عقيدة. كانوا يتحصنون، يهاجمون، يقتلون، ويحوّلون المدن إلى ساحات رعب. ولم يكن المدنيون العلويون بعيدين عن هذا الاستهداف، لأن منطق الجماعة لم يكن يميز بين فرد وآخر، بل كان يقوم على الوصم الجماعي والعداء الطائفي.

إن سجل الإخوان المسلمين في سوريا يكشف بوضوح أن هذا التنظيم لم يحمل مشروعًا إصلاحيًا، بل حمل مشروعًا إجراميًا استخدم الدين لتبرير التصفية، والتنظيم السري لتنسيق الاغتيالات، والسلاح لتنفيذ المجازر. والعلويون كانوا في قلب هذا الاستهداف، بوصفهم جماعة أراد التنظيم كسرها وإرهابها وإخضاعها عبر القتل الجماعي والاغتيال الممنهج.

وما حدث في سوريا لا يبدو معزولًا عن المسار العام لهذا التنظيم في أماكن أخرى. فحيثما وجد الإخوان أو تفرعت عنهم الأذرع العقائدية المسلحة، ظهر النمط نفسه: تنظيم مغلق، تعبئة دينية، تحريض، اغتيال، عنف، ودماء. لهذا فإن ما ارتكبوه ضد العلويين في سوريا لا يمكن عزله عن طبيعة هذا التنظيم نفسها، ولا عن تاريخه الأسود في إنتاج العنف وتغذيته وتبريره.

إن الحديث عن مجازر الإخوان المسلمين ضد العلويين في سوريا ليس مجرد استعادة لوقائع قديمة، بل هو تثبيت لحقيقة يجب ألا تُطمس: أن العلويين كانوا ضحايا إرهاب طائفي منظم، وأن الإخوان المسلمين كانوا أحد أبرز الوجوه التي مارست هذا الإرهاب بوحشية وصراحة. لقد تركوا وراءهم قتلى، واغتيالات، ومجازر، وذاكرة مثقلة بالخوف والدم، وهذا هو إرثهم الحقيقي في سوريا.

https://www.cambridge.org/core/books/muslim-brotherhood-in-syria/brief-history-of-syria-and-the-syrian-muslim-brotherhood/6CD455531E0388695618C2AE4B78FACB “A Brief History of Syria and the Syrian Muslim Brotherhood (Chapter 1) – The Muslim Brotherhood in Syria”
https://www.counterextremism.com/content/muslim-brotherhood-syria “Muslim Brotherhood in Syria | Counter Extremism Project”
https://www.academia.edu/21728494/The_Islamist_Uprising_in_Syria_1976_82_The_History_and_Legacy_of_a_Failed_Revolt “(PDF) The Islamist Uprising in Syria, 1976–82: The History and Legacy of a Failed Revolt”
https://www.ecoi.net/en/document/1009933.html “IRB – Immigration and Refugee Board of Canada (Author): “Information on Muslim Brotherhood of Syria, other than that found in Revolutionary and Dissident Movements [SYR1120]”, Document #1009933 – ecoi.net”
https://www.aljazeera.com/features/2011/10/24/a-tale-of-two-villages “A tale of two villages | Features | Al Jazeera”
https://www.wilsoncenter.org/article/syria-old-timers-and-newcomers “Syria: Old-timers and Newcomers | Wilson Center”
https://www.cambridge.org/core/books/muslim-brotherhood-in-syria/syrian-muslim-brotherhood-and-violence/0416C178429F56FACB99D7A841AF624A “The Syrian Muslim Brotherhood and Violence (Chapter 4) – The Muslim Brotherhood in Syria”

سلسلة المجازر بحق العلويين في سوريا بعد 2011 وقبل 2025: توثيق جرائم التنظيمات المسلحة

شكلت المجازر الطائفية التي ارتكبتها التنظيمات المسلحة بحق العلويين في سوريا خلال الحرب امتداداً دموياً لقرون من الاضطهاد، وأعادت إلى الواجهة ذات الفتاوى التكفيرية والعقلية الإقصائية التي أنتجت مجزرة التلل قبل خمسة قرون. هذه السلسلة توثق أبرز هذه المجازر استناداً إلى مصادر موثوقة وشهادات حية.

أولاً: مجزرة عدرا العمالية – حرق الأطفال في الأفران (كانون الأول 2013)

الزمان والمكان

في 11 كانون الأول/ديسمبر 2013، وفي مدينة عدرا العمالية شمال شرق دمشق، وقعت واحدة من أبشع المجازر الطائفية في الحرب السورية. كانت عدرا مدينة نموذجية للتعايش، تضم سكاناً من جميع الطوائف: علويين، مسيحيين، دروز، إسماعيليين، وسنة من مختلف المناطق .

المنفذون

نفذ المجزرة تحالف من التنظيمات المسلحة، أبرزها:

  • جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)
  • جيش الإسلام بقيادة زهران علوش
  • أحرار الشام
  • أجناد الشام

هذه التنظيمات، التي صنفت لاحقاً على لوائح الإرهاب الدولية، تسللت فجراً من الغوطة الشرقية عبر الأنفاق والطرق الفرعية.

تفاصيل المجزرة

دخل المسلحون إلى الشقق السكنية، وكان السؤال الوحيد الذي يوجه للسكان: “من أي طائفة أنت؟” . إذا كان الجواب “علوي” أو “دَرزي” أو “إسماعيلي”، تبدأ الإعدامات فوراً.

حرق الأطفال في الأفران

شهد الناجي الوحيد من المجزرة (الذي أدلى بشهادته أمام محكمة فرنسية) على أفظع مشهد: جثث محروقة داخل فرن المدينة البلدي. ووصف بدقة:

“كانت هناك جثتان على الحزام الناقل الذي يمر عليه الخبز، وجثة أخرى على الأرض. كانت الجثث محترقة بالكامل… كما لو أن هؤلاء الأشخاص قد وُضعوا داخل الفرن. كانت عظام وجه إحدى الجثث ظاهرة” .

إعدام عائلة علوية أمام الجميع

روى الشاهد ذاته أنه شاهد بعينيه إعدام عائلة علوية بكاملها:

“الأب كان يعمل في قوات الدفاع الوطني وكان مواليا للنظام السوري. الوالدان لم يكونا مقاتلين، كانا في منزلهما غير مسلحين عندما اعتُقلا. أُعدما في الحديقة المحيطة بالمباني، ونُقل الأطفال إلى منزل الجيران” .

مشاهد الرعب

إلى جانب حرق الأحياء في الأفران، شهدت عدرا:

  • إلقاء جثث من الطوابق العلوية
  • جثث مقيّد أصحابها ومقطوعة الرؤوس
  • ذبح عائلات كاملة بالسكاكين
  • جثث متفحمة في الشوارع والحدائق

الحصيلة

  • بين 50 إلى 100 مدني قتلوا، غالبيتهم نساء وأطفال
  • عشرات المفقودين الذين لم يعثر على جثثهم
  • إجلاء أكثر من 6000 مدني من المدينة لاحقاً

الاعتراف الدولي

أدانت وزارة الخارجية الأمريكية المجزرة بشكل صريح، ووصفتها بأنها “جرائم ضد المدنيين” . كما وثقت المحاكم الفرنسية شهادات الناجين في إطار ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب .

ثانياً: مجازر ريف اللاذقية الشمالي – الذبح وأكل لحوم الأطفال وإعدامات جماعية ورهائن

🔴أشار تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش إلى الانتهاكات التي وقعت خلال الهجوم الذي شنّته فصائل مسلحة في أغسطس/آب 2013 على القرى العلوية في ريف اللاذقية الشمالي.

🔴بحسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، شاركت في الهجوم مجموعات مرتبطة بتنظيم جبهة النصرة إلى جانب فصائل أخرى، حيث سيطرت تلك المجموعات على عدة قرى، ما أدى إلى مقتل مدنيين وخطف عشرات السكان. ووثّق التقرير عمليات قتل وخطف استهدفت سكاناً من الطائفة العلوية في المنطقة.

🔴وذكرت المنظمة أن مئات المدنيين قُتلوا أو فُقدوا خلال تلك الأحداث، كما تم احتجاز عدد من النساء والأطفال كرهائن لفترة طويلة قبل الإفراج عن بعضهم لاحقاً ضمن صفقات تبادل.

في 4 آب/أغسطس 2013، شن ما يقدر بـ 1,500 إلى 2,000 من التنظيمات الإسلامية الإرهابية المدعومة من تركيا، بينهم 300 من الأجانب ، هجوماً من بلدة سلمى التي يسيطرون عليها إلى القرى المجاورة ذات الأغلبية العلوية في ريف اللاذقية الشمالي.

وفق اعترافات المنفذين، والتي تم توثيقها في مقاطع فيديو، فإن المجزرة شملت:

  • ذبح الأطفال والنساء في منازلهم
  • تقطيع الجثث والتمثيل بها
  • ارتكاب جرائم أكل لحوم البشر في بعض الحالات

التنظيمات المنفذة

نفذ الهجوم تحالف من التنظيمات المسلحة، أبرزها :

  • جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)
  • الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)
  • أحرار الشام
  • جيش المهاجرين والأنصار
  • كتائب أنصار الشام
  • حركة شام الإسلام

تفاصيل المجازر

هيومن رايتس ووتش وثقت في تقرير مفصل بعنوان “دمهم ما زال هنا” الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات المعارضة :

  • جمعت المنظمة أسماء 190 مدنياً قُتلوا على يد قوات المعارضة، بينهم 57 سيدة وما لا يقل عن 18 طفلاً و14 رجلاً مسناً .
  • وثقت هيومن رايتس ووتش إعدام ما لا يقل عن 67 شخصاً من بين المدنيين، حتى رغم أنهم كانوا غير مسلحين ويحاولون الفرار .
  • شملت الجثث آثار إعدام، وفي بعض الأحيان جثث موثوقة وجثث مجزوزة الرؤوس .

شهادة ناجٍ

قال أحد سكان قرية صغيرة بين بلدتي بلوطة والحمبوشية :

“كانت أمي هنا في البيت معي. خرجت من البيت أولاً، وخرجت أنا خلفها. رأينا ثلاثة مقاتلين أمامنا مباشرة، ثم جرينا على الأقدام إلى وراء البيت، وإلى الوادي. كانوا يطلقون النار علينا من اتجاهين مختلفين… أبي مكث في البيت. قُتل في فراشه. وعمتي البالغة من العمر 80 عاماً – وهي عمياء – قُتلت بدورها في حجرتها”.

الرهائن والمختطفون

احتجز المقاتلون أكثر من 200 مدني – غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال – كرهائن لدى داعش وجيش المهاجرين والأنصار . وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن الكثير من السكان ما زالوا في عداد المفقودين، مع وجود مقابر جماعية .

ثالثاً: مجزرة حمص – الذبح والسلخ وبقر البطون – جحيم التفجيرات واستهداف الأحياء العلوية

مجزرة عقرب (11 كانون الأول/ديسمبر 2012)

الموقع والتاريخ

في 11 كانون الأول/ديسمبر 2012، وقعت مجزرة في بلدة عقرب التابعة لمحافظة حماة، والتي كانت تقطنها أغلبية علوية .

تفاصيل الجريمة

ذكرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن 130 شخصاً لقوا مصرعهم، غالبيتهم من أبناء الطائفة العلوية معظمهم من عائلة الجبيلي. بينما تشير مصادر أخرى إلى أن عدد القتلى يصل إلى 300 شخص .

في تقرير لقناة الأخبار الرابعة البريطانية (Channel 4)، أجرى الصحفي أليكس تومسون مقابلات مع ثلاثة أشخاص فروا من القرية، ألقوا جميعاً باللائمة على القرى التركمانية المجاورة، لقتل العلويين في قريتهم . ووفقاً لهم، كان مئات المدنيين محصورين في مبنى واحد، محاصر من المتمردين لأكثر من أسبوع .

جحيم التفجيرات

 كانت الأحياء العلوية هدفاً دائماً لحملة تفجيرات ممنهجة بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والهجمات الانتحارية على مدار سنوات الحرب السورية. هذا التقرير يستعرض بشكل منفصل أبرز هذه التفجيرات المتتابعة والمزدوجة التي استهدفت المدنيين العزل على أساس هويتهم الطائفية.

تفجير 9 نيسان/أبريل 2014 – المجزرة الكبرى في كرم اللوز

في 9 نيسان/أبريل 2014، نفذت جماعات مسلحة تفجيراً مزدوجاً بسيارتين مفخختين في حي كرم اللوز جنوب مدينة حمص، والذي تقطنه أغلبية علوية . أوقع التفجير عشرات القتلى والجرحى، في واحدة من أبشع المجازر التي استهدفت الحي.

آلية التنفيذ – أسلوب التفجير المزدوج

نفذ الهجوم وفق نمط إجرامي منظم:

  1. الانفجار الأول: فجر مسلحون سيارة مفخخة كانت مركونة بالقرب من محل “حلويات البدر” في شارع الخضر بحي كرم اللوز، والذي يشهد حركة مرورية كثيفة .
  2. الانفجار الثاني: بعد حوالي نصف ساعة من الانفجار الأول، وعندما تجمع الأهالي وعناصر الدفاع المدني والمسعفون في المكان، فجر المسلحون سيارة مفخخة ثانية في الحي نفسه، بهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا بين المدنيين وعناصر الإنقاذ .

مشاهد الدمار

نشر ناشطون شريطاً مصوراً يظهر دماراً هائلاً في الشارع والمحال التجارية، وسط حال من الهلع والصراخ وسماع أصوات طلقات نارية.

تبني الهجوم

أعلنت جبهة النصرة ذراع تنظيم القاعدة في سوريا بقيادة أبو محمد الجولاني (المدعو أحمد الشرع لاحقاً) مسؤوليتها عن تفجيرات كرم اللوز في 10 نيسان/أبريل 2014، وفقاً لتقرير هيومن رايتس ووتش .

تفجيرات سابقة في كرم اللوز

قبل مجزرة نيسان/أبريل 2014، تعرض حي كرم اللوز لتفجيرات متعددة، منها ما وثقته منشورات محلية:

  • تفجيرات عام 2013: سجلت قوائم محلية تفجيرات في كرم اللوز خلال عام 2013، ضمن سلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت الأحياء العلوية في حمص .

تفجير 21 آذار/مارس 2013

  • الموقع: حي وادي الذهب، قرب مشفى الأهرام
  • التفاصيل: تفجير بعبوة ناسفة استهدف الحي العلوي، ضمن سلسلة الهجمات المبكرة على المنطقة .

تفجيرات 18 أيلول/سبتمبر 2015

  • الموقع: قرب مشفى الأهرام في حي وادي الذهب
  • التفاصيل: عبوتان ناسفتان انفجرتا في المنطقة، ما أدى إلى سقوط ضحايا

تفجيرات الزهراء – سلسلة التفجيرات المتكررة (2013-2017)

تعرض حي الزهراء، ذو الغالبية العلوية، لسلسلة طويلة من التفجيرات المزدوجة والمتكررة:

تفجيرات 17 آذار/مارس 2014

أعلنت جبهة النصرة مسؤوليتها عن اعتداء بسيارة مفخخة في حي الزهراء، قدرت فيه مقتل وإصابة العشرات .

تفجيرات 27 حزيران/يونيو 2014

تفجير في حي الزهراء قرب منطقة “أزهار مسعود” .

تفجيرات 29 تشرين الأول/أكتوبر 2014

تفجير جديد استهدف حي الزهراء .

تفجيرات 28 كانون الأول/ديسمبر 2015

  • الموقع: الساحة الرئيسية في حي الزهراء
  • الضحايا: 32 قتيلاً على الأقل وحوالي 90 جريحاً .
  • التفاصيل: انفجار سيارتين ملغمتين قرب الساحة الرئيسية .

تفجيرات 26 كانون الثاني/يناير 2016

  • الموقع: شارع الستين داخل حي الزهراء
  • الضحايا: 22 قتيلاً وعشرات الجرحى .
  • التفاصيل: انفجار سيارتين مفخختين، استهدفت الأولى مطعماً، والثانية المكان نفسه بعد تجمع المسعفين (تفجير مزدوج) .

تفجيرات 21 شباط/فبراير 2016 – المجزرة الكبرى في الزهراء

  • الضحايا: 57-64 قتيلاً (39 مدنياً بينهم طفلة و11 امرأة) وأكثر من 100 جريح .
  • التوقيت: الساعة 8:30 صباحاً في ساعة الذروة
  • المنفذ: تنظيم داعش
  • الوصف الطائفي: وصف التنظيم المستهدفين بأنهم “النصيرية المرتدين”

تفجيرات 9 شباط/فبراير 2017

  • الضحايا: 3 قتلى وعشرات الجرحى .
  • الموقع: ساحة رئيسية في حي الزهراء

تفجير 14 نيسان/أبريل 2014

  • الموقع: حي عكرمة
  • الضحايا: 4 قتلى و30 جريحاً .
  • التفاصيل: سيارة مفخخة استهدفت الحي العلوي

تفجير 23 أيلول/سبتمبر 2015

  • الموقع: حي عكرمة
  • التفاصيل: عبوة ناسفة موضوعة في سرفيس كورنيش شرقي .

تفجير 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2015

  • الموقع: شارع الخضري
  • التفاصيل: ثلاثة انفجارات بعبوات ناسفة في دراجات كهربائية، استهدفت مناطق الحضارة والخضري وعكرمة في وقت واحد .

تفجير شارع الخضري (29 نيسان/أبريل 2014)

بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش، وقعت تفجيرات مزدوجة في منطقة الزهراء قرب ساحة العباسية في 29 نيسان/أبريل 2014، وأسفرت عن سقوط 45-55 قتيلاً و120-130 جريحاً . أحد السكان وصف المشهد: “كانت إصابات الشظايا بكل موضع من جسدي… رأيت أطراف ضحايا آخرين… قتل أشخاص كانوا يتفرجون من شرفاتهم، وأطفال… وقع الانفجار في موعد مغادرة الأطفال لمدارسهم” .

تفجيرات الأرمن

تعرض حي الأرمن (المجاور لعكرمة) لعدة تفجيرات:

  • 6 آذار/مارس 2014: تفجير أسفر عن مقتل 13 شخصاً بينهم أطفال .
  • 27 آذار/مارس 2014: تفجير أسفر عن مقتل شخص وجرح 11 .
  • 12 نيسان/أبريل 2015: تفجير موتور في الأرمن .
  • 10 نيسان/أبريل 2015: تفجير جديد في الأرمن .

نمط العمليات والجهات المنفذة

الخصائص المشتركة

  1. التفجير المزدوج أو المتتابع: استخدام سيارة مفخخة أولى، تليها سيارة ثانية أو انتحاري بعد تجمع المسعفين .
  2. استهداف أوقات الذروة: تفجيرات الصباح الباكر وأوقات خروج المدارس .
  3. خطاب طائفي صريح: بيانات التبني استخدمت أوصافاً مثل “النصيرية” و”المرتدين” و”الكفار” .

الجهات المنفذة

  • جبهة النصرة: تبنت تفجيرات كرم اللوز (أبريل 2014) والزهراء (مارس 2014) .
  • تنظيم داعش: تبنى معظم تفجيرات الزهراء .
  • هيئة تحرير الشام: تبنت تفجيرات 25 فبراير 2017 .

شهادات حية من المجازر

شاهد على تفجيرات 29 نيسان/أبريل 2014

قال أحد سكان الزهراء لـهيومن رايتس ووتش، وكان ينقذ الجرحى وأصيب في التفجير الثاني :

“كنت على بعد نحو 6-7 أمتار من الانفجار الثاني. لم أر سوى الدخان والنار… كانت إصابات الشظايا بكل موضع من جسدي. وبعضها خطير… رأيت أطراف ضحايا آخرين… لقد أصيب أشخاص على مسافات حتى 70 متراً. وقتل بعض الأشخاص الذين كانوا يتفرجون من شرفاتهم، وأطفال… وقع الانفجار في موعد مغادرة الأطفال لمدارسهم وتجول طلبة الجامعة في الجوار. هناك أيضاً سوق شهيرة في المنطقة، كان بها متسوقون”.

شاهد على تفجيرات كرم اللوز (أبريل 2014)

ناشطون وثقوا مشاهد الدمار الهائل والصراخ والهلع في الشارع، مع بقع الدماء في موقع الانفجارين .

الخلاصة – نمط متكرر من الاستهداف

شكلت الأحياء العلوية في حمص مسرحاً لسلسلة دموية من التفجيرات المتتابعة والمزدوجة على مدار أكثر من عشر سنوات. هذه العمليات تمثل نمطاً واضحاً من الاستهداف الطائفي الممنهج، استخدمت فيها التنظيمات المسلحة كافة أساليب القتل الجماعي لبث الرعب في صفوف هذه الأقلية ودفعها إلى النزوح.

إن استمرار هذه التفجيرات يكشف عن تصميم التنظيمات التكفيرية على مواصلة مشروعها الإجرامي ضد العلويين أينما وجدوا.

مجزرة مدرسة عكرمة المخزومي (1 تشرين الأول/أكتوبر 2014) – أبشع استهداف للأطفال

في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2014، وقعت واحدة من أبشع المجازر في الحرب السورية، عندما استهدف تفجير مزدوج مدرسة ابتدائية في حي عكرمة المخزومي ذي الغالبية العلوية .

تفاصيل الجريمة

نفذ الهجوم عبر مرحلتين :

  1. الانفجار الأول: عبوة ناسفة زرعت أمام مدرسة “عكرمة المخزومي المحدثة” الابتدائية انفجرت حوالي الساعة الثانية عشرة ظهراً، بالتزامن مع خروج الأطفال من المدرسة.
  2. الانفجار الثاني: بعد دقائق قليلة، فجر انتحاري نفسه عند بوابة مدرسة مجاورة، مستغلاً تجمع الأهالي الذين هرعوا للبحث عن أطفالهم وسط الركام.

حصيلة المجزرة

  • 54 قتيلاً هم :
    • 47 طفلاً (23 فتاة و20 صبياً) 
    • 7 مدنيين بالغين
  • 56 جريحاً على الأقل، كثير منهم في حالة خطيرة 

مشاهد الرعب

وصفت اليونيسف المشهد بأنه “مأساة مروعة”. قال كومار تيكو، المسؤول الإعلامي لليونيسف في سوريا :

“كانت حادثة صادمة أودت بحياة 43 طفلاً كما زُعم، و23 فتاة و20 فتى، ونقل ما يصل إلى 100 شخص إلى المستشفى بإصابات خطيرة. لقد كانت مأساة مروعة. وقعت حوالي الظهر، بالقرب من مدرسة عكرمة المخزومي الابتدائية… الأطفال ينتهي بهم الأمر كضحايا جانبية للعنف”.

نقلت وسائل الإعلام مشاهد مؤثرة لأهالي يبحثون عن أطفالهم وسط الحقائب المدرسية وبقع الدماء على الأرض، بينما تصاعدت ألسنة اللهب من سيارة قريبة .

الجهة المنفذة

أعلنت جبهة النصرة – فرع تنظيم القاعدة في سوريا مسؤوليتها وهي بقيادة الإرهابي أبو محمد الجولاني (المدعو أحمد الشرع لاحقاً)

استمرار حملة التفجيرات

لم تكن مجزرة المدرسة حادثة معزولة، بل سبقتها وتلتها تفجيرات متعددة استهدفت الأحياء العلوية في حمص:

قصف متواصل بالهاون

طوال سنوات الحرب، تعرضت الأحياء العلوية في حمص لقصف شبه يومي بقذائف الهاون والصواريخ محلية الصنع، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا وتدمير آلاف المنازل .

نمط متكرر من الاستهداف

ما جرى في حمص يعكس نمطاً واضحاً من الاستهداف الممنهج للعلويين على أساس هويتهم الطائفية:

  1. التفجيرات الانتحارية استهدفت التجمعات المدنية الآمنة، وفي مقدمتها المدارس.
  2. القصف بالصواريخ والهاون طال الأحياء السكنية المكتظة.
  3. التمثيل بالجثث واستهداف الأطفال بشكل خاص، كما في مجزرة المدرسة.
  4. التهجير القسري عبر بث الرعب في الأحياء العلوية لدفع سكانها إلى النزوح.

رابعاً: مجزرة اشتبرق – ريف إدلب

الموقع والتاريخ

قرية اشتبرق في ريف إدلب الشمالي، تعرضت لهجوم من تنظيم جبهة النصرة والقوات المسلحة.

تفاصيل المجزرة

  • قتل العشرات من المدنيين العلويين في منازلهم
  • تمثيل بجثث الضحايا وتقطيعها
  • نزوح جماعي للناجين إلى المناطق الساحلية

خامساً: تفجيرات جبلة وطرطوس – الساحل السوري

الموقع والتاريخ
مدينتا جبلة وطرطوس على الساحل السوري، بتاريخ 23 أيار/مايو 2016.

تفاصيل المجزرة

  • شنّ تنظيم داعش سلسلة تفجيرات انتحارية وسيارات مفخخة استهدفت المدينتين.
  • أسفرت الهجمات عن مقتل أكثر من 120 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.
  • استهدفت التفجيرات تجمعات سكنية ومدنية، وأحدثت حالة من الذعر والفوضى في منطقة كانت تُعد من أكثر المناطق استقراراً نسبياً خلال الحرب.
  • شكّلت الهجمات واحدة من أكثر الضربات دموية ورمزية ضد الساحل السوري، وأظهرت وصول الإرهاب إلى عمق المناطق الآهلة بالسكان.

الخطف والسبي المتزايد بعد سيطرة تنظيم القاعدة – جبهة النصرة – هيئة تحرير الشام – التنظيمات الإرهابية بمسياتها المختلفة على سوريا

عمليات الخطف الممنهجة

وثقت تقارير حقوقية عديدة عمليات خطف ممنهجة استهدفت النساء والفتيات العلويات، بهدف الابتزاز المالي أو كـ”سبايا”. في أيار/مايو 2025، كشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) شهادات لنساء علويات في سوريا تحدثن عن خطف واعتداءات وانتهاكات ذات طابع طائفي .

شهادات الناجيات

راميا (اسم مستعار) روت كيف اختُطفت من ريف اللاذقية على يد مسلحين ادعوا أنهم من الأمن العام. نُقلت إلى منطقة في إدلب، حيث احتُجزت في غرفة مغلقة تحت الأرض، وتعرضت للضرب والإهانات الطائفية .

نسمة، وهي أم في الثلاثينيات، تحدثت عن احتجاز دام أسبوعاً فيما وصفته بمنشأة صناعية، حيث خضعت لاستجوابات وإهانات على خلفية انتمائها الطائفي. أفادت بتعرضها لاعتداءات جنسية متكررة .

لين، الشابة التي لم تتجاوز العشرين، قالت والدتها إنها تعرضت للضرب والاغتصاب بشكل يومي خلال فترة احتجازها .

توثيق المنظمات الحقوقية

  • منظمة العفو الدولية: أكدت نائبة المدير الإقليمي كريستين بيكرلي أن شهادات الناجيات أشارت “إلى أنماط من الأذى تتجاوز الاختطاف نفسه”، وأنه “في ثلاث حالات وثقتها المنظمة كانت هناك مؤشرات قوية على إجبار المختطفات على الزواج، بمن فيهم قاصر واحدة على الأقل” .
  • اللوبي النسوي السوري: سجل أكثر من 80 بلاغاً عن اختفاء نساء، تحقق من 26 حالة باعتبارها اختطافاً، والغالبية من الطائفة العلوية .
  • لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة: أكدت أنها تحقق في حالات اختفاء واختطاف مزعومة لنساء علويات، بعد ارتفاع عدد البلاغات .

حالات موثقة

عبير سليمان (29 عاماً): اختطفت في أيار/مايو، وطالب الخاطف بفدية قدرها 15 ألف دولار. قالت في مكالمة مسجلة لعائلتها: “أنا لست في سورية. جميع اللهجات التي أسمعها حولي غريبة” .

زينب غدير (17 عاماً): اختطفت في طريقها إلى المدرسة في قرية “الهنادي” بريف اللاذقية. قال الخاطف في رسالة: “ما بدي شوف ولا صورة، والله العظيم، لأبعتلكم دمها” .

القاسم المشترك بين المجازر

  1. الاستهداف على أساس الهوية: السؤال الأول كان دائماً عن الطائفة، وليس عن الفعل أو الانتماء السياسي .
  2. التمثيل بالجثث: عمليات الحرق، السحل، السلخ، بقر البطون، وجز الرؤوس .
  3. استهداف الأطفال والنساء: الضحايا في معظمهم كانوا من غير المقاتلين .
  4. الخطف والسبي: استخدام النساء كورقة ضغط وابتزاز، مع التعرض للاغتصاب والإجبار على الزواج .
  5. التبرير الديني: استخدام فتاوى تكفيرية لتبرير الإبادة.

الفرق بين مجازر الأمس واليوم

إذا كانت مجزرة التلل قد نفذتها جيوش نظامية بفتاوى رسمية، فإن مجازر اليوم نفذتها تنظيمات مسلحة تعتبر نفسها امتداداً لذاك النهج: جبهة النصرة، داعش، أحرار الشام، أجناد الشام، جيش الإسلام وغيرها من التنظيمات المصنفة على لوائح الإرهاب الدولية.

هذه المجازر الموثقة، والتي يعترف المجتمع الدولي ببعضها رسمياً، تثبت أن العلويين في سوريا كانوا ضحايا إرهاب طائفي منظم، عبر تاريخ طويل من الاضطهاد. إن توثيق هذه الجرائم ليس انتقاماً من الماضي، بل هو:

  • توثيق للحقيقة التاريخية
  • رد اعتبار للضحايا
  • منع لتكرار الجرائم
  • ملاحقة المجرمين عبر العدالة الدولية

يبقى السؤال: كم مجزرة أخرى لم توثق؟ وكم ضحية سيبقى اسمه مجهولاً في مقابر جماعية لم تكتشف بعد؟

لم يقتصر استهداف العلويين على سوريا ونذكر بعض المجازر بحق العلويين في تركيا مع التشابه الكبير بين الجهات المنفذة

مجزرة ماديماك 1993: جريمة نفذتها حشود إسلامية متطرفة وكرّس ظلمها الإفلات من العقاب

في 2 تموز/يوليو 1993، شهدت مدينة سيفاس التركية واحدة من أبشع الجرائم الطائفية في تاريخ تركيا الحديث، حين حاصرت حشود إسلامية متشددة فندق ماديماك الذي كان يستضيف مشاركين في مهرجان بير سلطان أبدال الثقافي، ثم أضرمت النار فيه بعد ساعات من التحريض والحصار، ما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من المثقفين والفنانين والضيوف العلويين. وتصف مصادر حقوقية ودولية ما جرى بأنه هجوم نفذه “إسلاميون متطرفون” أو “غوغاء إسلاميون” ضد تجمع ثقافي علوي، في ظل فشل واضح من أجهزة الدولة في حماية المحاصرين داخل الفندق.
المصدر: https://www.uscirf.gov/news-room/uscirf-spotlight/sivas-massacre-and-turkeys-persecution-alevi-community
المصدر: https://en.tihv.org.tr/wp-content/uploads/2020/09/1993-Human-Rights-Report.pdf

بدأت الأحداث خلال المهرجان الذي خُصص لإحياء ذكرى الشاعر العلوي بير سلطان أبدال، وكان من بين الحاضرين الكاتب التركي عزيز نيسين، الذي كان هدفًا مباشرًا لحملات التحريض آنذاك. ووفق تقرير مؤسسة حقوق الإنسان في تركيا، خرجت مجموعات من بعض المساجد بعد صلاة الجمعة وهي تهتف ضد عزيز نيسين وضد العلمانية، ثم هاجمت مؤسسات ثقافية ورسمية قبل أن تتجه إلى الفندق وتحاصره لساعات. وبعد ذلك أُضرمت النار في المبنى مساءً، بينما ظل المحاصرون يطلبون النجدة وسط عجز أمني كارثي عن منع الجريمة.
المصدر: https://en.tihv.org.tr/wp-content/uploads/2020/09/1993-Human-Rights-Report.pdf

وتتفق المصادر على أن المجزرة لم تكن “حادثًا عرضيًا”، بل جريمة جماعية نشأت في مناخ من التحريض الديني والطائفي ضد العلويين وضد الأصوات الثقافية والعلمانية. وتذكر USCIRF أن الحريق أودى بحياة 37 شخصًا، فيما تشير تقارير أخرى إلى مقتل 35 داخل الفندق عند احتساب الضيوف والعاملين فقط. وعلى اختلاف طرق العدّ، فإن الثابت هو أن الضحايا كانوا في غالبيتهم من المشاركين في فعالية ثقافية علوية، وأن الجريمة استهدفتهم بسبب هويتهم وموقعهم الرمزي والفكري.
المصدر: https://www.uscirf.gov/news-room/uscirf-spotlight/sivas-massacre-and-turkeys-persecution-alevi-community
المصدر: https://www.duvarenglish.com/amp/victims-of-sivas-massacre-remembered-on-31st-anniversary-news-64601
المصدر: https://bianet.org/haber/22nd-anniversary-of-sivas-massacre-165740

أما المسؤولية السياسية، فلا تقف عند المنفذين المباشرين من الحشود الإسلامية المتطرفة، بل تمتد إلى السلطات المحلية والدولة التركية التي أخفقت في منع الحصار، ولم تتدخل بما يكفي لحماية الموجودين داخل الفندق، رغم أن التهديد كان علنيًا واستمر لساعات. وتذكر مؤسسة حقوق الإنسان في تركيا أن الحشود تحركت وتجمعت واعتدت على المواقع العامة ثم فرضت حصارها الطويل على الفندق قبل إشعال النار فيه، ما يجعل التقصير الرسمي جزءًا أساسيًا من القصة، لا مجرد تفصيل ثانوي.
المصدر: https://en.tihv.org.tr/wp-content/uploads/2020/09/1993-Human-Rights-Report.pdf

وفي هذا السياق، يبقى اسم تَمَل قره ملا أوغلو حاضرًا في ملف المجزرة لأنه كان رئيس بلدية سيفاس وقت وقوعها. كما تنقل Hürriyet Daily News عنه لاحقًا أنه رفض وصف ما حدث بأنه “مجزرة”، وقال عام 2017 إنه لا يعتبر ما جرى “مجزرة” رغم إقراره بمقتل 33 شخصًا. وهذا الموقف أثار انتقادات واسعة، لأنه بدا استمرارًا لنهج التهوين من الجريمة بدل تحميل مرتكبيها ومن تواطأ معهم مسؤوليتهم الكاملة.
المصدر: https://www.hurriyetdailynews.com/felicity-party-head-claims-1993-mass-killing-in-sivas-was-not-a-massacre-121170

وبخصوص حزب العدالة والتنمية، فالدقة التاريخية تقتضي القول إن الحزب لم يكن قد تأسس بعد وقت مجزرة 1993، إذ تأسس عام 2001، بعد مسار سياسي خرج من رحم التيار الإسلامي الحزبي الذي مثّلته قبل ذلك حركة الرفاه ثم الفضيلة. لذلك لا يصح تاريخيًا القول إن العدالة والتنمية هو من نفذ المجزرة، لكن من المشروع سياسيًا وأخلاقيًا الإشارة إلى أن كثيرًا من المنتقدين والناجين وعائلات الضحايا يرون استمرارًا سياسيًا وفكريًا بين البيئة الإسلامية الحزبية التي أحاطت بتلك المرحلة وبين قوى حكمت تركيا لاحقًا، ومنها العدالة والتنمية.
المصدر: https://www.britannica.com/topic/Justice-and-Development-Party-political-party-Turkey
المصدر: https://www.britannica.com/topic/Welfare-Party
المصدر: https://www.britannica.com/topic/Islamism

وقد ظهر هذا الاتهام السياسي بشكل صريح في إحياءات الذكرى، حيث نقلت Duvar English عن المشاركين في الذكرى الحادية والثلاثين هتافهم: “الذين أحرقوا سيفاس أسسوا حزب العدالة والتنمية”. وهذا الشعار ليس حكمًا قضائيًا، لكنه يعكس رؤية راسخة لدى شرائح من المجتمع العلوي والمعارضة التركية بأن المجزرة لم تُقطع صلتها السياسية والأيديولوجية بالحاضر، بل إن آثارها استمرت في ظل حكومات لاحقة لم تنجز عدالة حقيقية للضحايا.
المصدر: https://www.duvarenglish.com/amp/victims-of-sivas-massacre-remembered-on-31st-anniversary-news-64601

ويعزز هذا الشعور أن مسار العدالة نفسه ظل ناقصًا. فبحسب Duvar English، سقطت القضية الرئيسية بالتقادم عام 2012، ثم أُغلقت في 2023 القضية المتبقية الخاصة ببعض المتهمين الفارين أيضًا بالتقادم، في حين أصدر الرئيس رجب طيب أردوغان عفوًا عن اثنين من المدانين في 2020 و2023 لأسباب صحية وكبر السن. ولذلك يرى كثيرون أن السلطة الحالية لم تكتفِ بعدم إنصاف الذاكرة العلوية، بل كرّست عمليًا صورة الإفلات من العقاب.
المصدر: https://www.duvarenglish.com/amp/victims-of-sivas-massacre-remembered-on-31st-anniversary-news-64601

من هذه الزاوية، تبدو مجزرة ماديماك أكثر من مجرد جريمة ارتكبتها حشود دينية متطرفة في يوم واحد؛ إنها محطة كاشفة عن العنف الطائفي الإسلامي ضد العلويين، وعن فشل الدولة التركية في الحماية والمحاسبة، وعن استمرار الإرث السياسي لذلك المناخ في العقود اللاحقة. ولهذا لا تزال سيفاس تُستعاد كل عام بوصفها جريمة ضد العلويين وضد الثقافة وضد فكرة العيش المتساوي في تركيا، لا كذكرى من الماضي فقط، بل كجرح مفتوح لم تُغلقه العدالة حتى اليوم.
المصدر: https://www.uscirf.gov/news-room/uscirf-spotlight/sivas-massacre-and-turkeys-persecution-alevi-community
المصدر: https://en.tihv.org.tr/wp-content/uploads/2020/09/1993-Human-Rights-Report.pdf
المصدر: https://www.duvarenglish.com/amp/victims-of-sivas-massacre-remembered-on-31st-anniversary-news-64601

مجزرة غازي 1995: جرحٌ مفتوح في ذاكرة العلويين في تركيا

في مساء 12 آذار/مارس 1995، بدأ فصل دامٍ في حي غازي بإسطنبول، وهو حي عُرف بوجود كثافة سكانية علوية فيه. فقد أطلق مجهولون النار من سيارة أجرة على عدة مقاهٍ ومحل حلويات في الحي، واستمر إطلاق النار نحو خمس دقائق، ما أسفر عن مقتل حليل كايا وإصابة 25 شخصًا، قبل أن يقتل المهاجمون سائق سيارة الأجرة ويفرّوا من المكان.

أثار الهجوم حالة غضب واسعة بين سكان الحي، فتجمع الأهالي أمام المقاهي وأمام الـ”جمعية/الجم إيفي” العلوية، ثم خرجت حشود كبيرة باتجاه مركز الشرطة المحلي احتجاجًا على ما اعتبروه تقاعسًا أمنيًا في التعامل مع الجريمة. ومع تصاعد التوتر خلال الساعات التالية، تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات دامية، وتحدثت روايات القضية المعروضة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عن إطلاق نار مباشر على المتظاهرين وسقوط قتلى وجرحى في غازي، قبل أن تمتد الأحداث لاحقًا إلى أومرانية أيضًا.

وتشير المصادر إلى اختلاف في الحصيلة النهائية للضحايا باختلاف طريقة الاحتساب ونطاق الأحداث المشمولة؛ إذ تتداول تقارير صحفية وحقوقية رقم 22 أو 23 قتيلًا في مجزرتي غازي وأومرانية، فيما يركّز ملف المحكمة الأوروبية على مقتل 17 شخصًا خلال التظاهرات التي أعقبت الهجوم. أما التقارير الحقوقية المبكرة، مثل تقرير مؤسسة حقوق الإنسان في تركيا، فتورد أرقامًا أخرى لضحايا غازي نفسها وإصابات واسعة قاربت 300 جريح. لذلك تبقى مجزرة غازي من الملفات التي ارتبطت، إلى جانب الدم المسفوك، بجدل طويل حول التوثيق والمحاسبة والعدالة.

ولم تُغلق القضية على المستوى الحقوقي والقضائي. ففي عام 2005، خلصت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Şimşek and Others v. Turkey إلى وجود انتهاك للمادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرة أن الشرطة أطلقت النار مباشرة على المتظاهرين من دون اللجوء أولًا إلى وسائل أقل فتكًا مثل الغاز المسيل للدموع أو خراطيم المياه أو الرصاص البلاستيكي، كما رأت أن التحقيقات لم تكن فعالة بما يكفي. وأكدت المحكمة أيضًا أن غياب القيادة الواضحة والتجهيز المناسب زاد من خطر إطلاق النار على الحشود.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما تزال مجزرة غازي حاضرة بقوة في الذاكرة العلوية في تركيا. ففي إحياءات الذكرى الأخيرة، واصل أهالي الضحايا وممثلو المؤسسات العلوية ومنظمات المجتمع المدني التجمع في الحي، حاملين صور القتلى ومطالبين بمحاسبة المسؤولين وكشف الحقيقة كاملة. هكذا لم تعد غازي مجرد حادثة عابرة في سجل العنف السياسي، بل صارت رمزًا لذاكرة جماعية ترى أن الجرح لم يندمل، وأن العدالة لم تكتمل بعد.

مصادر:

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان – ملف القضية:
https://hudoc.echr.coe.int/app/conversion/pdf/?TID=ihgdqbxnfi&filename=001-23879.pdf&id=001-23879&library=ECHR

التقرير السنوي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2005:
https://www.echr.coe.int/documents/d/echr/annual_report_2005_eng

مؤسسة حقوق الإنسان في تركيا – تقرير حقوق الإنسان لعام 1995:
https://en.tihv.org.tr/wp-content/uploads/2020/09/1995-Human-Rights-Report.pdf

Bianet – إحياء الذكرى التاسعة والعشرين لمجزرة غازي:
https://bianet.org/yazi/gazi-massacre-commemorated-on-29th-anniversary-293032

Bianet – الذكرى الخامسة والعشرون لمجزرة غازي:
https://bianet.org/haber/25th-anniversary-of-gazi-massacre-marked-221298