يمكنك التواصل مع إدارة الموقع عبر البريد الالكتروني: [email protected]
ليس أقسى من الجريمة إلا الاعتياد عليها، وليس أفظع من الدم إلا أن يسيل ثم لا يوقظ ضميرًا، ولا يستدعي عدالة، ولا يحرّك في العالم سوى بيانات باردة ووجوه متخشبة ولغة جوفاء فقدت معناها منذ زمن. هكذا يُترك العلويون اليوم لمصيرهم، لا لأن ما يجري خفيّ أو ملتبس أو عصيّ على الفهم، بل لأن كثيرين قرروا أن ينظروا إلى الجريمة ثم يصرفوا وجوههم عنها، وكأن القتل إذا طال جماعة بعينها يصبح أقل فداحة، أو كأن المقتول يفقد إنسانيته حين لا ينسجم موته مع المصالح السائدة والروايات المطلوبة.
في الواجهة، تُبذل جهود محمومة لتلميع ما يُسمّى بـ“حكومة الأمر الواقع”. تُقدَّم إلى الإعلام بعبارات مصقولة، وتُسوَّق بوجهٍ مستعار، وتُغلَّف بخطابٍ عن الدولة والديمقراطية والإنسان والانتقال السياسي، كأن اللغة وحدها قادرة على غسل الدم، وكأن تبديل المفردات يكفي لستر الحقيقة. غير أن الأرض لا تكذب. والدم لا يكذب. والناجون لا يكذبون. والقرى التي ترتجف تحت وطأة الرعب لا تكذب. هناك، بعيدًا عن مسارح العلاقات العامة، يتكشّف الوجه الحقيقي لهذه السلطة: ليس وجه الدولة، بل وجه الهيمنة المتطرفة؛ ليس وجه القانون، بل وجه الإفلات من العقاب؛ ليس وجه العدالة، بل وجه الدم حين يُترك بلا حساب.
سلطة تتزين بالكلمات وتُدار بالذعر
منذ مجزرة الساحل في السابع من آذار، لم يتوقف النزف. لم تكن تلك المجزرة حدثًا معزولًا يمكن عزله عن سياقه، ولا انفجارًا عابرًا في زمنٍ مضطرب، بل بدت كأنها فصلٌ مكشوف من مسار أشد اتساعًا وأعمق رعبًا. فمنذ ذلك اليوم، تتوالى أخبار القتل، والخطف، والتهجير، والانتهاكات التي لا توحي بالفوضى بقدر ما توحي بالاستباحة. والفرق بين الفوضى والاستباحة كبير: فالفوضى عجز، أما الاستباحة فهي قرار؛ الفوضى ارتباك، أما الاستباحة فهي مناخ مقصود يُراد له أن يرسّخ الخوف ويحوّل جماعة بشرية كاملة إلى هدف سهل ومباح.
وفي كل مرة، يُدفع بالمشهد إلى المخرج نفسه: “مجموعات منفلتة”، “تجاوزات فردية”، “حوادث معزولة”، “ظروف أمنية معقدة”. لغة ممجوجة تُستخدم لا لكشف الحقيقة بل لطمسها، ولا لمحاسبة الجناة بل لتذويب مسؤوليتهم في ضبابٍ متعمد. وما أكثر ما قُتلت الحقيقة في بلادنا تحت هذا العنوان الرخيص: “انفلات”. كأن الخطف انفلات، والقتل انفلات، والتهجير انفلات، وتكرار الجرائم في أمكنة متعددة انفلات، واستمرار الصمت الرسمي انفلات، وتحوّل جماعة بعينها إلى مادة يومية للانتهاك أيضًا انفلات.
لكن أيّ انفلات هذا الذي يتكرر بلا ردع؟ وأيّ عجز هذا الذي لا يصيب إلا الضحية؟ وأيّ دولة هذه التي تعجز دائمًا عن حماية المستهدفين، ولا تعجز أبدًا عن تسويق نفسها؟
الدم العلوي في ميزان الصمت
بحسب الشهادات الموثوقة والتوثيقات المتداولة، قُتل وخُطف خلال أيام معدودة أكثر من ثلاثين مواطنًا علويًا، من مشقيتا في اللاذقية إلى حمص ودمشق وحلب. والمدى الجغرافي هنا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل قرينة موجعة على أن المسألة لم تعد حادثة محلية عابرة، ولا خللًا موضعيًا يمكن عزوه إلى ظرف محدد. نحن أمام مشهد يتسع، ويتكرر، ويعيد إنتاج نفسه في أكثر من مكان، بينما السلطة التي تدّعي الحكم لا تفعل شيئًا يرقى إلى مستوى المسؤولية، وكأن الدم العلوي صار في الحساب السياسي دمًا فائضًا، أو خسارة يمكن ابتلاعها، أو تفصيلًا لا يفسد صورة العرض الإعلامي.
هنا تكمن الفضيحة الأخلاقية كاملة: ليس فقط في القتل، بل في الاعتياد على القتل؛ ليس فقط في الجريمة، بل في قابلية المجتمع والعالم للتعايش معها. كأن العلوي حين يُقتل لا يثير في نشرات الأخبار سوى سطر عابر، ولا يترك في الضمير العام سوى اهتزازة طفيفة سرعان ما تخبو. كأن اختطافه لا يستدعي حملة، وتهجيره لا يخلق أزمة، وانتهاك حرمته لا يوقظ مؤسساتٍ ملأت الدنيا حديثًا عن الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين.
حين يتحول الضحايا إلى أرقام
هل صار العلويون مجرد أرقام تُجمع في آخر الأسبوع؟
هل باتت أخبار قتلهم واختطافهم وتهجيرهم مادة استهلاك سريع على الشاشات ومنصات التواصل؟
هل تحوّلت حياتهم إلى هامش بارد في دفتر السياسة، وموتهم إلى كلفة غير معلنة تُدفع لتثبيت حكم متطرف يتقن التجميل الإعلامي ويُخفي عن العالم آلة الرعب التي تشتغل باسمه أو تحت ظله أو في مناخ الإفلات الذي يصنعه؟
إن أخطر ما يفعله الصمت ليس فقط أنه يخذل الضحية، بل أنه يمنح الجلاد وقتًا إضافيًا، ومساحة أوسع، وجرأة أكبر. كل جريمة تمر بلا حساب ليست حدثًا ينتهي، بل إذنٌ بجريمة أخرى. كل تبرير هو ذخيرة جديدة. كل صمت هو شراكة أخلاقية، ولو ادّعى أصحابه الحياد. فالمحايد أمام الذبح ليس محايدًا، والمراقب الذي يرى الاستباحة ثم يكتفي بوصفها من بعيد لا يقف خارجها تمامًا، بل يساهم في تطبيعها، وفي جعلها أقل صدمة، وأقل استعجالًا، وأقل إلحاحًا في ضمير العالم.
حكومة بوجهين: خطاب إنساني على المنابر، وخراب على الأرض
ما يضاعف القبح أن السلطة القائمة لا تكتفي بالتقصير، بل تسعى إلى صناعة رواية موازية: رواية “الحكومة الجديدة”، و“الإدارة المدنية”، و“المؤسسات”، و“الشرعية المتنامية”. كل ذلك يُقال فيما الخوف يبتلع القرى، والناس ينامون على قلق الخطف، ويستيقظون على خبر قتيل جديد، أو مفقود جديد، أو تهديد جديد. أيّ شرعية هذه التي تُقاس بعدد المقابلات والوفود والبيانات، بينما رعاياها الفعليون يُساقون إلى الخوف بلا حماية؟ وأيّ دولة هذه التي تعرف كيف ترتب خطابها أمام الكاميرات، لكنها لا تعرف كيف تردع قاتلًا أو تمنع اختطافًا أو تحفظ حق جماعة كاملة في ألا تُستباح؟
الدولة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تمنعه من ظلم. والدولة لا تُعرف من أناقة وزرائها، بل من مقدار الأمان في قراها وشوارعها وبيوت أهلها. أما حين تُصبح السلطة بارعة في تجميل خطابها وعاجزة أو غير راغبة في حماية المستضعفين، فإنها لا تكون دولة ناقصة فحسب، بل تكون غطاءً سياسيًا لأخطر أنواع العنف: العنف الذي يُرتكب ثم يُنكر، أو يُرتكب ثم يُبرر، أو يُرتكب ثم يُحال إلى مجهول مقصود كي يبقى الفاعل الحقيقي بمنأى عن المساءلة.
إبادة صامتة على مرأى من الجميع
ما يحدث اليوم لا يمكن دفنه تحت عبارات مطاطية. إنه ليس مجرد “توتر أمني”، ولا “أحداثًا مؤسفة”، ولا “اختلالًا مؤقتًا”. إنه استهداف متكرر لجماعة بعينها في مناخ كثيف من الترهيب والإفلات والتغاضي، حتى بات المشهد أشبه بإبادة صامتة تُنفّذ على مهل، وعلى دفعات، وعلى مرأى من الجميع. صامتة لا لأنها بلا صوت، بل لأن العالم قرر ألا يسمع. واضحة لا لأنها خفية، بل لأن كثرة وضوحها لم تعد تُحرج أحدًا.
والأشد مرارة أن هذا الصمت لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى العالم العربي والمجتمع الدولي، اللذين يبدوان في كثير من الأحيان أكثر اهتمامًا بالشكل السياسي للسلطة من اهتمامهما بحياة البشر تحتها. تُقاس الأمور بمن يحكم، لا بمن يُقتل. تُراقب التحولات الدبلوماسية، وتُهمل التحولات الدموية. ويُفتح النقاش على شرعية السلطة، فيما يُغلق على شرعية الضحايا في الحياة نفسها.
الضمير الذي لا يتحرك ميتٌ بالفعل
ليست المسألة إذًا نقصًا في المعلومات. لا أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يرى. الصور موجودة، والشهادات موجودة، والتوثيقات موجودة، والنداءات تتكرر. لكن الضمير الذي يرى ثم لا يتحرك ليس ضميرًا عاجزًا، بل ضمير ميت. والضمير الميت لا ينقصه الدليل، بل تنقصه الإنسانية. وما أبشع أن يبلغ العالم هذا الحد من البلادة: يُقتل الناس جماعة بعد جماعة، ثم ينشغل المراقبون بتدقيق المصطلحات، ووزن العبارات، وانتظار “السياق الكامل”، كأن الدم يحتاج إلى إذن لغوي كي يكون دمًا، وكأن المقتول يحتاج إلى شهادة حسن سلوك سياسية حتى يستحق التعاطف.
إلى متى؟
إلى متى سيُترك العلويون لمصيرهم؟
إلى متى سيبقى الخطف والقتل والتهجير أخبارًا عابرة لا تخلخل كرسيًا ولا تهز منصةً ولا تحرج مؤسسة؟
إلى متى سيظل العالم يتفرج على شعب يُدفع إلى الذبح البطيء لأنه يرفض أن ينحني لجلاده، أو لأنه ببساطة يحمل هوية قرر المتطرفون أن يجعلوها مباحة؟
هذه الأسئلة ليست بلاغة إنشائية، بل صرخة وجود. وهي ليست موجّهة فقط إلى السلطة القائمة، بل إلى كل من صمت، وبرّر، ووارب، وانتظر، واعتبر أن دم العلويين شأن يمكن تأجيله أو احتواؤه أو التعايش معه. فالتاريخ لا يبرئ الصامتين، والذاكرة لا ترحم المتواطئين، والضحايا لا يعودون لأن أحدًا صاغ بيانًا متأخرًا بلغة متوازنة.
خاتمة
إن العلويين اليوم لا يواجهون جريمة واحدة، بل جريمتين معًا: جريمة الاستهداف، وجريمة الصمت عليه. يُقتلون على الأرض، ثم يُقتلون مرة أخرى في اللغة الباردة التي تخفف وقع مأساتهم، وتطمس هويتهم، وتساوي بين الضحية وجلادها. وما لم يُكسر هذا الصمت، وما لم تُسمَّ الأشياء بأسمائها، وما لم يُرفع الغطاء عن كل خطاب يزين القبح ويمنح الرعب واجهة مؤسساتية، فإن النزف لن يتوقف، لأن القاتل الذي ينجو من المساءلة لا يتوب، بل يتمادى.
ليست القضية اليوم أن يُقال إن ما يجري “مؤسف”. هذه كلمة مهينة أمام هذا المقدار من الدم.
القضية أن يُقال بوضوح: هناك شعب يُستباح. هناك جماعة تُدفع إلى الخوف والغياب. هناك سلطة تفشل أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا ما دامت عاجزة أو غير راغبة في وقف الجريمة. وهناك عالم ينظر، ويعلم، ثم يصمت.
وإذا كان للصمت لغة، فإن لغة هذا الصمت اليوم ليست الحياد، بل الخذلان.
