التضليل البصري في تمثيل العلويين في الإعلام: من الصورة النمطية إلى محو الهوية

في زمن تتحكم فيه الصورة بالوعي أكثر من النص، لم تعد معركة العلويين من أجل الحقيقة معركة روايات مكتوبة فقط، بل أصبحت أيضًا معركة ضد ما يمكن تسميته بـ«التضليل البصري».

في الإعلام العربي والأجنبي على حدّ سواء، تُرفق المواد المتعلقة بالعلويين – سواء عند الحديث عن تاريخهم أو حاضرهم أو عن المجازر التي ارتُكبت بحقهم – بصور لا تمتّ إلى واقعهم بصلة: نساء محجبات بحجاب تقليدي لا يشبه لباس نساء الساحل، قرى صحراوية أو بدوية لا علاقة لها بالمناطق الخضراء التي يسكنونها، رجال بجلاليب بالية أو ملامح قاسية لا تمثل الحياة اليومية في جبلة أو مصياف أو قرى الساحل السوري.

في المقابل، تكشف الصور الحقيقية لضحايا المجازر من الأطباء والمهندسين والطلاب والعائلات – كما في صفحة «مجزرة القرن 21» في موقع «العلويون» – عن هوية بصرية مختلفة تمامًا: وجوه متعلّمة، أسر في بيوت حديثة، بيئة مدينية/ريفية متحضّرة. هذه الفجوة بين الواقع والصورة المنشورة ليست مجرد خطأ تقني، بل هي جزء من معركة على الذاكرة والهوية، يجب تسميتها ووصفها ومواجهتها.

أولًا: ما هو التضليل البصري والتنميط البصري؟

يمكن تعريف «التضليل البصري» بأنه استخدام صور لا تعبّر عن الحقيقة المادية للجماعة أو الحدث الذي يتناوله الخبر، بل تفرض عليها صورة ذهنية مسبقة تخدم خطابًا سياسيًا أو طائفيًا أو استشراقيًا.

وغالبًا ما يرتبط التضليل البصري بما يمكن تسميته «التنميط البصري»، أي حشر جماعة كاملة داخل قالب بصري واحد:
– المسلم = امرأة محجّبة بحجاب معيّن + رجل بلحية كثيفة غاضب + بيئة صحراوية فقيرة.
– العربي = خيمة، جمل، صحراء، فوضى، سلاح.

في حالة العلويين، يجري دمجهم قسرًا داخل هذا القالب الجاهز، رغم أن واقعهم مختلف جذريًا:
– جغرافيًا: يعيشون في الساحل والجبال الخضراء، لا في الصحراء.
– اجتماعيًا: غالبية بيئاتهم اليوم متحضّرة، ببيوت إسمنتية حديثة وأسقف قرميد، ومدارس وجامعات.
– بصريًا: لا يوجد زي علوي تقليدي معزول، بل اندماج في اللباس المدني السوري العام.

حين تُستخدم صور لا تعكس هذا الواقع، فنحن أمام تضليل بصري حقيقي، يؤثر في وعي القارئ، ويُسهم في إنتاج صورة غير عادلة عن العلويين.

هذه صور بعض العلويين الحقيقية من ضحايا الاستهدافات الطائفية المستمرة:

ثانيًا: الهوية البصرية الحقيقية للعلويين (جبلة ومصياف نموذجًا)

لكي نفهم حجم التشويه، يكفي أن ننظر إلى مدن وبلدات علوية حقيقية مثل جبلة ومصياف.

1. جبلة
جبلة مدينة ساحلية على البحر المتوسط، ببيوت حديثة وأسقف قرميدية حمراء، وأحياء سكنية متحضرة، وواجهات بحرية، وأسواق، ومدارس، وجامعات قريبة. يلبس أهلها – علويين وغير علويين – اللباس المديني المعتاد: بنطال، قمصان، فساتين عصرية، ألبسة شبابية عادية. لا وجود لصورة «القرية الصحراوية» التي يروّجها الإعلام عن الشرق، ولا لصورة «البيئة البدوية» التي تلتقطها عدسات وكالات الأنباء كلما أرادت صورة عن «العرب» أو «المسلمين».

2. مصياف
مصياف بلدة تاريخية محاطة بالطبيعة الخضراء والتلال والوديان، فيها قلعة معروفة وبيوت حديثة وقرى محيطة مخضّرة. نمط الحياة فيها ريفي–مديني متداخل، لكنّه متصل بالمدن الكبرى عبر التعليم والعمل. اللباس أيضًا مدني عادي، ولا توجد «هوية لباسية» بدوية أو صحراوية عامة.

3. نمط اللباس والحياة اليومية
في أغلب القرى والمدن العلوية، يمكن ملاحظة ما يلي:
– الرجال يرتدون ما يرتديه باقي السوريين في المدن: جينز، قمصان، سترات، بدلات عمل.
– النساء في كثير من البيئات العلوية لا يرتدين الحجاب بالشكل النمطي المنتشر في الصور الإعلامية (عباءة سوداء + حجاب داكن يغطي الشعر بالكامل)، بل يرتدين أزياء مدنية عادية، مع وجود التنوع الطبيعي بين محجّبات وغير محجبات لأسباب شخصية واجتماعية، كما في أي مجتمع آخر.
– البيوت مجهزة بالكهرباء والماء، وتنتشر فيها الأجهزة الحديثة، والسيارات العادية، والهواتف الذكية، كما في باقي المدن السورية.

هذه الملامح البصرية الأساسية يجب أن تكون نقطة البداية لأي صحفي أو باحث يرغب في تصوير العلويين أو الكتابة عنهم، بدلاً من استيراد صور جاهزة لا علاقة لها بهذه البيئة.

ثالثًا: كيف تبني وسائل الإعلام صورة مزيفة للعلويين؟

يمكن تلخيص آليات التضليل البصري في الإعلام تجاه العلويين في عدة نقاط رئيسية:

1. استخدام صور «مسلمين بشكل عام» بدل صور علويين فعلًا
عندما تنشر صحيفة أو وكالة خبرًا عن العلويين، تلجأ كثيرًا إلى بنك الصور الجاهزة لديها: امرأة محجّبة بحجاب تقليدي، رجل ملتحٍ، مسجد في مدينة أخرى، أو لقطة من منطقة داخلية أو بدوية. هذه الصور قد تكون صحيحة في سياقات أخرى، لكنها لا تعبّر عن البيئة العلوية الساحلية – الجبلية، ولا عن نمط اللباس والحياة فيها. هكذا يتم استبدال هوية جماعة كاملة بصورة غريبة عنها.

2. مزج الخلفية الصحراوية مع موضوع ساحلي/جبلي
العلويون في سوريا يعيشون أساسًا في مناطق خضراء (الساحل، جبال الساحل، بعض المناطق الجبلية في الداخل)، ومع ذلك تُستخدم في الأخبار عنهم صور لصحارى، أو قرى طينية، أو خيام، أو جِمال. النتيجة:
– القارئ الذي لا يعرف الجغرافيا السورية يعتقد أن العلويين «بدو صحراويون» أو يعيشون في بؤس ريفي شديد.
– تُمحى الصورة الحقيقية: مجتمع متوسطي الطابع، قريب في بعض ملامحه من مدن لبنان الساحلية أو تركيا الجنوبية.

3. اختيار صور مهينة أو «قبيحة» كلما ذُكر العلويون
حتى حين يكون الخبر عن مجزرة أو تهجير أو خطر يتهدد العلويين، تُختار أحيانًا صور غير واضحة أو مشوشة أو ملتقطة في لحظات فوضى ودمار، بدل اختيار صور تعرّف بالضحايا كأشخاص حقيقيين: عائلات في بيوتهم، أطباء في المستشفيات، طلاب في الجامعات. بهذا، تتحول الجماعة في عين القارئ إلى «كتلة من الضحايا المجهولين» بلا وجوه، بدل أن يظهروا كأفراد لهم ملامح وهوية وكرامة.

4. تجاهل المدن والقرى الحقيقية لصالح الكليشيه
قلّما تُظهر المواد الصحفية عن العلويين صورًا لجبلة، مصياف، القرى المسقوفة بالقرميد، أو الغابات والحقول. بدلًا من ذلك، يتم اللجوء للكليشيه البصري السهل: حجاب، صحارى، خيام. وهكذا يُمحى الفضاء الحقيقي الذي يعيش فيه العلويون، وتُستبدَل به مسرحية بصرية مسبقة التجهيز.

رابعًا: نموذج للمقالات المضلِّلة بصريًا

من الأمثلة على هذا النوع من التشويه، بعض التقارير المنشورة في الصحافة الغربية عن «التوترات الطائفية» أو «الصراع بين الطوائف في سوريا». في مثل هذه المواد، قد يكون النص نفسه يتحدث عن العلويين أو مناطق مختلطة أو عن ضحايا من قرى علوية، لكن الصور المرافقة:
– لا تتضمّن أي مشهد حقيقي من المناطق العلوية (لا جبلة، لا مصياف، لا قرى ساحلية أو جبلية)،
– ولا تظهر وجوهًا لضحايا علويين بهويتهم الحقيقية،
بل تُستخدم بدلاً منها صور لمناطق داخلية أو بدوية، أو لنساء محجبات بحجاب لا علاقة له بالبيئة العلوية، أو لمشاهد عامة للفقر والفوضى في سوريا.

بهذه الطريقة، حتى لو حمل النص بعض الحقائق، تصبح الصورة المرافقة له مضلِّلة إلى حدّ بعيد، لأنها تكرّر الكليشيه البصري المعتاد عن «الشرق المتخلف»، وتمنع القارئ من رؤية الهوية الحقيقية للعلويين بوصفهم مجتمعًا متحضّرًا يعيش في بيئات خضراء ساحلية وجبلية.

خامسًا: صور ضحايا المجازر والجرائم الطائفية كدليل بصري مضاد

في مواجهة هذا التشويه،نقدم في موقع «العلويون» نموذجًا مختلفًا تمامًا في توثيق الضحايا. بدل الاكتفاء بأرقام وإحصاءات أو صور مشوشة من ساحات القتل، يعرض الموقع:

– صورًا لضحايا من الأطباء والمهندسين والمعلّمين والطلاب.
– صورًا لعائلات في بيوتها، بملابس مدنية عادية، في بيئة سكنية حديثة.
– صورًا لأطفال مع آبائهم وأمهاتهم في لحظات يومية طبيعية.

هذه الصور تقوم بعدة أدوار أساسية:
1. تُعيد للعلويين وجوههم الحقيقية: ليسوا «ظلاً بصريًا» لمجتمعات أخرى، بل مجتمعًا له ملامحه الخاصة.
2. تكسر الكليشيه الذي يقدّم العلويين كصورة بدوية/صحراوية لا تشبه واقعهم.
3. تخلق ذاكرة بصرية محترمة للشهداء: كأفراد لهم مهن وحياة وعائلات، لا كأرقام مجهولة.

سادسًا: توصيات عملية للصحفيين والباحثين حول استخدام الصور عن العلويين

لمواجهة التضليل البصري في تمثيل العلويين، يمكن وضع مجموعة مبادئ عملية موجّهة لكل من يكتب عنهم أو يوثّق قضاياهم:

1. لا تستخدم صورًا عامة عن «المسلمين» أو «الشرق الأوسط»
يجب تجنّب استخدام الصور الجاهزة من بنوك الإعلام التي تُظهر حجابًا نمطيًا أو صحارى أو خيامًا، ما لم تكن هذه الصور تعكس فعلًا البيئة العلوية موضوع التقرير.

2. عرّف القارئ بالبيئة الحقيقية: جبلة، مصياف، الساحل، الجبال
من المهم اختيار صور تظهر المدن والقرى الحقيقية التي يعيش فيها العلويون: الشوارع، البيوت، المدارس، الجامعات، الطبيعة الخضراء، البحر، الجبال. هذه المشاهد تعطي القارئ فكرة صحيحة عن الواقع.

3. ركّز على إنسانية الضحايا لا على تشويههم
عند تغطية مجازر أو انتهاكات، يجب أن تكون الأولوية لصور تظهر الضحايا كأشخاص: صورهم في حياتهم، في أعمالهم، مع عائلاتهم، لا صورهم فقط بعد القتل أو في لحظات التشويه الأقصى، إلا إذا كانت هناك ضرورة توثيقية محددة.

4. استأذن الأهالي واحترم كرامة الشهداء
نشر صور الشهداء يجب أن يكون بالتنسيق مع عائلاتهم أو الجهة الموثوقة التي وثّقتهم، مع احترام خصوصيتهم وعدم استغلال الصور لأغراض سياسية أو دعائية رخيصة.

5. اكتب تعليقات توضيحية (Captions) دقيقة
تحت كل صورة، ينبغي كتابة سطر أو سطرين يعرّفان القارئ بما يراه:
– من هؤلاء؟
– من أي مدينة أو قرية؟
– ما علاقتهم بالحدث؟
بهذا، تصبح الصورة جزءًا من الحقيقة، لا مجرد خلفية جميلة أو مشهدًا عابرًا.

6. استخدم أرشيفًا بصريًا موثوقًا
يمكن الاعتماد على مواقع متخصصة بتوثيق قضايا العلويين – مثل موقع «العلويون» – كمصدر لأرشيف بصري حقيقي، بدل الاعتماد على مخزون صور لا علاقة له بالموضوع.

خاتمة

التضليل البصري في تمثيل العلويين ليس مسألة شكلية أو فنية، بل هو جزء من بنية أعمق لتشويه الهوية، وتحويل جماعة كاملة إلى كليشيه جاهز يُستخدم في المعارك السياسية والإعلامية.

عندما يُستبدل وجه الطبيب أو المهندس أو الطفل العلوي بصورة امرأة مجهولة في صحراء لا تشبه الساحل السوري، فإننا لا نخسر الدقة فقط، بل نخسر العدالة.
وعندما تتجاهل الصور المدن الحقيقية – جبلة، مصياف، قرى الساحل والجبال – لصالح صور خيام وصحارى، فإننا نمحو من الذاكرة العامة حقيقة أن العلويين جزء أصيل من حضارة هذا الشرق، يعيشون في بيئات متحضّرة، ويساهمون في العلم والعمل والثقافة.

مواجهة هذا التشويه تبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها:
– نعم، هناك تضليل بصري.
– نعم، هناك تنميط مقصود أو كسول.
– نعم، الصور المرافقة للأخبار قادرة على شيطنة طائفة كاملة أو إنصافها.

ومن هنا تأتي أهمية إنتاج ملفات وتقارير ومواد مكتوبة – مثل هذا المقال– تُرفَق لاحقًا بصور حقيقية من جبلة ومصياف وباقي المناطق العلوية، وبصور الشهداء كما هم فعلًا: وجوه حيّة من لحم ودم، لا ظلالًا مشوّهة في مخيّلة إعلامية منحازة.

بهذا فقط يمكن أن نعيد للصورة دورها الطبيعي: أن تشهد للحقيقة، لا أن تكون أداة لطمسها.