نحن أبناء الأرض الأولى | العلويون والمسيحيون في غرب سوريا

ليست كل الشعوب سواء في علاقتها بالأرض. فثمّة من يسكن المكان، وثمّة من يتكوّن منه. ثمّة من يمرّ بالتاريخ، وثمّة من يصير جزءًا من طبقاته العميقة، ومن ذاكرته الحيّة، ومن معناه الذي لا يُفهم إلا به. ومن هذا المعنى بالذات، ينبغي النظر إلى العلويين والمسيحيين في غرب سوريا: لا بوصفهم جماعات هامشية أو طوائف محاصرة في حاضر مضطرب، بل بوصفهم من أبناء هذه الأرض الأولى، ومن الشعوب التي تجذّرت فيها قبل الخرائط الحديثة، وقبل الدول الطارئة، وقبل الأيديولوجيات التي حاولت اختزال المشرق في صورة واحدة وصوت واحد وهوية واحدة.

إنّ المأساة الكبرى التي أصابت هذه البلاد لم تكن في العنف وحده، بل في اللغة التي أعادت تعريف أهلها، وفي السرديات التي نزعت عن بعض أبنائها صفتهم الأصلية، وحوّلتهم من جذور إلى “أقليات”، ومن أصحاب أرض إلى موضوعات خوف أو حماية أو مساومة. ومن هنا، فإن استعادة الحقيقة ليست ترفًا بل ضرورة: ضرورة أخلاقية وتاريخية وإنسانية.

أولًا: لسنا طارئين على هذه البلاد

نحن العلويون والمسيحيون لسنا أثرًا متأخرًا في سجل هذه الأرض، ولا بقايا جماعات انكفأت إلى الجبال في لحظة هروب من التاريخ. نحن من أهل هذه البلاد الأصليين، من سلالاتها المتجذرة، من ذاكرتها السابقة على الحدود، والسابقة على التسميات السياسية الحديثة، والسابقة على كل محاولات إعادة تشكيل المكان بالقوة.

لقد كنا هنا حين كانت القرى الأولى تنحت أسماءها من الحجر والماء والمواسم. كنا هنا حين كانت الجبال تحفظ وجوه أهلها، وتؤتمن على صبرهم وطقوسهم وعلاقتهم الوجودية بالأرض. كنا هنا قبل أن تتحول هذه البلاد إلى ساحة صراع بين مشاريع وافدة، وقبل أن تُفرض عليها خرائط لا تشبه عمقها التاريخي ولا تنصف تعقيدها الحضاري.

وجودنا في غرب سوريا ليس مجرد حضور ديموغرافي، بل امتداد تاريخي وروحي وثقافي. في كنائسنا ومقاماتنا وقرانا وبيوتنا القديمة، وفي أسماء العائلات والبلدات والأودية والجبال، ما يكفي ليشهد أن وجودنا ليس ملحقًا بالتاريخ، بل أحد أركانه.

ثانيًا: كيف يُستخدم مصطلح “الأقليات” لطمس الحقيقة

ليس كل وصف محايدًا، ولا كل مصطلح بريئًا. فحين يُختزل أبناء الأرض الأصليون في كلمة “أقليات”، لا يكون الأمر مجرد تصنيف عددي، بل إعادة صياغة للعلاقة بينهم وبين وطنهم. يصبح صاحب الجذر كأنه طارئ، ويصبح المتجذر في الذاكرة كأنه يحتاج إلى إذن بالبقاء.

إن هذا المصطلح، كما استُخدم في سياقات كثيرة، لم يعبّر عن حقيقة التاريخ بقدر ما أسهم في حجبها. فهو ينزع عن الجماعات الأصيلة عمقها الزمني، ويحوّلها إلى حالة سياسية مؤقتة، أو إلى ملف قابل للتفاوض، أو إلى فئة تنتظر التسامح بدل الاعتراف.

لسنا “أقليات” بالمعنى الذي يراد لنا أن نقبله. نحن من الشعوب الأصيلة في هذا المشرق، من نسيجه الأول، من طبقاته الأقدم. ومن دون هذا الإدراك، يستحيل فهم غرب سوريا فهمًا صادقًا، لأن جزءًا أساسيًا من روحه التاريخية والحضارية سيكون قد مُحي من الوعي.

ثالثًا: الأرض بوصفها ذاكرة، لا مجرد جغرافيا

ليست الأرض بالنسبة إلينا قطعة جغرافية محايدة. ليست مساحة تُقاس بالخرائط وحدها، ولا مجالًا تنظمه السلطة فقط. الأرض هنا ذاكرة حيّة، وموضع أصل، وامتداد للوجود نفسه.

في هذه الأرض صلّى الأجداد، ودفنوا موتاهم، وشيدوا بيوتهم، وحملوا مواسمهم، وحموا تقاليدهم، ونسجوا علاقتهم بالله والإنسان والمصير. ومن هنا، فإن اقتلاع الإنسان من أرضه لا يعني فقط تهجيره من مكان، بل يعني كسر علاقته بنفسه، وبسلالته، وبالزمن الذي منحه معناه.

إن من يُنتزع من قريةٍ تحمل اسم عائلته، أو من جبلٍ يعرف خطاه، أو من كنيسةٍ أو مقامٍ عاش فيهما آباؤه وأجداده، لا يفقد منزله فحسب، بل يُدفع إلى مواجهة وجودية مع الفقد والانقطاع والتشظي. ولذلك فإن الدفاع عن الأرض ليس نزاعًا عقاريًا أو سياسيًا مجردًا، بل دفاع عن الذاكرة والكرامة والهوية والاستمرارية.

رابعًا: الاستهداف لم يكن سياسيًا فقط، بل وجوديًا أيضًا

ما تعرّضت له مجتمعاتنا في العقود الأخيرة، ولا سيما في سنوات الحرب، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للفوضى أو الصراع العسكري. لقد اتخذ الاستهداف في كثير من الأحيان طابعًا أعمق وأخطر: استهدافًا للهوية بوصفها هوية، وللوجود بوصفه وجودًا، وللذاكرة بوصفها شهادة حيّة على أن لهذه الأرض أهلًا أصليين.

هُدّمت كنائس، وفُرغت قرى، وتعرضت عائلات للترويع والاقتلاع، وتحوّل كثيرون إلى لاجئين أو نازحين أو مغتربين عن مواضعهم الأولى، لا لأنهم اقترفوا جرمًا، بل لأنهم حملوا أسماءهم القديمة، وحافظوا على انتمائهم، وتمسكوا بحقهم الطبيعي في البقاء.

وما أشدّ قسوة أن يُطرد الإنسان من مكان يعرفه، وأن يُطلب منه بعد ذلك أن يبرهن على أحقيته في أرضٍ تحفظ أسماء أجداده في حجارتها ومياهها ولهجتها. إن هذه المأساة لا تُقاس بعدد البيوت المهدمة وحدها، بل بعمق الجرح الذي تتركه في الذاكرة الجماعية.

خامسًا: ما نطلبه ليس امتيازًا بل حقًا أصيلًا

لسنا دعاة غلبة، ولا حملة مشروع انتقام، ولا باحثين عن قلب المظالم وتدويرها. ما نطلبه ليس استثناءً، ولا امتيازًا فوق الآخرين، ولا سلطة على أحد. ما نطلبه هو الحق الطبيعي والبديهي: أن نُعرف كما نحن، وأن نُعامل كما نحن، وأن نبقى في أرضنا بكرامة لا بخوف.

نطلب سلامًا لا يقوم على محو الحقيقة.
ونطلب عدلًا لا يُفصّل على مقاس الأقوى.
ونطلب وطنًا لا تكون فيه الجذور موضع شبهة، ولا الذاكرة موضع مساومة، ولا الهوية سببًا للإقصاء أو الترويع.

إن الاعتراف بأصالة العلويين والمسيحيين في غرب سوريا ليس انحيازًا طائفيًا، بل انحياز للحقيقة. كما أن الدفاع عن بقائهم ليس طلبًا لعطف أحد، بل دفاع عن مبدأ أخلاقي أعلى: أن الشعوب الأصيلة لا يجوز أن تُدفع إلى الهامش في أوطانها.

سادسًا: لماذا الدفاع عن هذه الحقيقة دفاع عن المشرق نفسه

حين تُمحى الجذور، لا يبقى الوطن كما هو. وحين يُعاد تعريف أبناء البلاد الأصليين على أنهم فائض بشري أو مشكلة مؤقتة أو “أقلية” قابلة للإدارة، فإن الخسارة لا تقع عليهم وحدهم، بل تصيب معنى البلاد كله.

فالمشرق لم يكن في تاريخه أرض لون واحد، ولا عقيدة واحدة، ولا سردية واحدة. قوته كانت في طبقات معناه، وفي تعدده التاريخي، وفي تعايش مكوناته الأصيلة عبر قرون طويلة، رغم المآسي والتصدعات. ومن هنا، فإن الدفاع عن العلويين والمسيحيين بوصفهم جزءًا أصيلًا من غرب سوريا ليس دفاعًا عن فئة معزولة، بل عن جوهر المشرق نفسه، وعن حقه في أن يبقى وفيًا لذاكرته، لا أسيرًا لأشد نسخه ظلامًا ووحشية.

خاتمة

لقد آن أوان القول الواضح الذي لا يعتذر عن بداهته: نحن العلويون والمسيحيون لسنا هامشًا في هذه البلاد، ولسنا ضيوفًا على تاريخها، ولسنا “أقليات” بالمعنى الذي يطمس حقيقتنا. نحن من أبناء الأرض الأولى، من جذورها العميقة، من ذاكرتها التي لا يجوز أن تُمحى، ومن حقها الحي في الاستمرار.

نحن هنا منذ البدايات.
هنا قبل الخرائط، وقبل الجيوش، وقبل مشاريع الإلغاء والادعاء.
هنا في مواسم الرجاء، وهنا في أزمنة المحنة.
وسنبقى هنا، لا لأن أحدًا منحنا هذا الحق، بل لأن الأرض نفسها تشهد لنا، ولأن الذاكرة لا تكذب، ولأن الجذور الأعمق من الخراب لا تقتلعها رايات العنف مهما علت، ولا تمحوها السرديات المفروضة مهما تكررت.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *