دمشق تخطط لمجزرة المختارية: إعدامات جماعية تحت ستار اشتباكات مفبركة

في آذار/ مارس، اقتحمت القوات الحكومية السورية قرية المختارية العلوية بذريعة عملية أمنية.. وما تلا ذلك كان إعدامًا ممنهجًا للرجال المدنيين، نفذ في العلن وسُجّل من قبل الجناة أنفسهم.

رابط المقال

قرابة الساعة 7:30 صباحًا من يوم 7 آذار/مارس 2025، فتحت قوات الحكومة السورية النار على قرية المختارية انطلاقًا من طريق M4 في ريف اللاذقية، مستخدمة أسلحة ثقيلة شملت مدافع عيار 23 ملم، ورشاشات PKC، وبنادق كلاشينكوف، إضافة إلى دبابة.

لم تُسجَّل أي مقاومة مسلحة من داخل القرية.

وخلال ساعات قليلة، قُتل ما لا يقل عن 150 مدنيًا أعزل، معظمهم من الرجال والفتيان المراهقين. وفي بيانات صدرت في اليوم نفسه، ادّعت الحكومة أن العملية استهدفت “فلول النظام” عقب “اشتباكات عنيفة”، غير أن شهادات ناجين، ومقاطع مصوّرة التقطها صحافيون رافقوا القوات، إضافة إلى منشورات لمسؤولين كانوا موجودين في الموقع، تناقض هذه الرواية.

بينما اندلعت اشتباكات في أماكن أخرى في السابع من آذار/مارس بين قوات الأمن الحكومية ومتمردين علويين، فإن نظرة أقرب على أحداث قرية المُختارية تُظهر أن “الاشتباكات العنيفة” المزعومة في القرية كانت مُختلقة، مما منح القوات الحكومية ذريعة لتنفيذ مجزرة مُخطَّط لها مسبقاً بحق رجال وصبية مدنيين بسبب هويتهم الدينية كعلويين.

وتُظهر أدلة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي أن حسن أبو قصرة، وهو شخصية نافذة في هيئة تحرير الشام (HTS)، كان حاضرًا في المختارية وقت المجزرة وقدم دعمًا لوجستيًا، وهو ابن عم وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة.

وشكّلت مجزرة المختارية جزءًا من سلسلة أوسع من المجازر التي نفذتها قوات الحكومة السورية في عشرات المواقع على امتداد الساحل السوري بين 7 و10 آذار/مارس، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1600 مدني علوي.

مجزرة مبرَّرة سلفًا

في مساء 6 آذار/مارس، كانت وحدات من “الوحدة 400” التابعة للجيش السوري متمركزة عند حاجز المختارية. وبحسب ناجين، بدأ الجنود بإطلاق النار باتجاه القرية منذ ساعات المساء الأولى، واستمر ذلك بشكل متقطع طوال الليل.

وقال فادي، أحد الناجين من المجزرة، في حديثه إلى The Cradle: “كانوا يهتفون بشعارات طائفية، ويقولون: ‘اصبروا يا علويين، جئنا لنذبحكم’. لم يطلق أحد النار عليهم، ولم يُبدِ أي شخص مقاومة”.

وأُعدم ثلاثة من أشقائه خلال المجزرة.

في تلك الليلة، أطلقت السلطات السورية تعبئة واسعة شملت تشكيلات وزارة الدفاع، وقوات الأمن العام، ومدنيين مسلحين، باتجاه المنطقة الساحلية. كما أصدر وزير الدفاع مرهف أبو قصرة توجيهات دعا فيها جميع التشكيلات العسكرية إلى التوجه نحو الساحل مع “أوامر صارمة بسحق فلول النظام وجعلهم عبرة”.

وخلال التحضيرات، نشر جنود مقاطع مصوّرة على وسائل التواصل الاجتماعي توعّدوا فيها بقتل العلويين، وفي أحدها قال جندي: “سُنّة، سُنّة، سنبيد العلويين”.

كما صدرت دعوات إلى “الجهاد” من مساجد في مختلف أنحاء البلاد، بهدف تشجيع مدنيين مسلحين على مرافقة الوحدات العسكرية النظامية.

تعبئة الجهاد وصناعة القبول

ساهم حسن أبو قصرة، ابن عم وزير الدفاع، في عملية التعبئة. وكان أبو قصرة، وهو قيادي رفيع في هيئة تحرير الشام، قد عُيّن رئيسًا لشركة SADCOP النفطية المملوكة للدولة، عقب إسقاط حكومة بشار الأسد.

ونظرًا للأهمية الاستراتيجية للوقود في زمن الحرب، لعبت SADCOP دورًا محوريًا في دعم العمليات العسكرية لهيئة تحرير الشام على امتداد الساحل.

ومع انطلاق التعبئة مساء 6 آذار/مارس، أطلق أبو قصرة تلميحًا مبطنًا إلى عمليات القتل المرتقبة.

وكتب على فيسبوك: “الكلاب تريد أن تتعشّى باللحم على السحور الليلة”، في إشارة إلى وجبة ما قبل الفجر خلال شهر رمضان.

كما جرى تداول مقطع مصوّر يظهر جنديًا سوريًا يتحدث عن “أفضل طريقة لأكل لحم العلويين والشيعة”.

وفي وقت لاحق من مساء 6 آذار/مارس، عاد أبو قصرة ليمهّد للمجازر مجددًا، وكتب في منشور آخر: “الحمقى منحونا فرصة ذهبية، ونحن نستغلها إلى أقصى حد”، في إشارة إلى مسلحين علويين زُعم أنهم استُدرجوا لمهاجمة قوات الأمن العام في مناطق أخرى من الساحل، ولا سيما في جبلة.

نحو الساعة الرابعة فجر 7 آذار/مارس، بدأت أرتال عسكرية تقل آلاف الجنود الإضافيين من وزارة الدفاع، وقوات الأمن العام، ومدنيين مسلحين، بالوصول إلى المختارية.

وقال أحد الناجين، في شهادة لمنظمة Human Rights Watch (HRW)، إنه شاهد الأرتال الأولى تصل عبر طريق M4 قادمة من إدلب وحلب، مضيفًا: “كان للأرتال بداية، لكن لم يكن لها نهاية”.

إطلاق نار بلا غطاء: فبركة الاشتباك

قال فادي في حديثه إلى The Cradle: “لقد أمطروا القرية بنيران وحشية وجنونية لا يمكن تخيّلها”، موضحًا أن قذيفة دبابة أصابت منزل شقيقه ودمرت جدارين منه.

وأكد رئيس شركة SADCOP، حسن أبو قصرة، وجوده في موقع الهجوم وقت وقوعه، إذ نشر صورة لقوات عسكرية متمركزة على الطريق السريع المحاذي لقرية المختارية، وأرفقها بعبارة: “صباح الخير”.

كما تُظهر صورة أخرى له على الطريق السريع، وهو يحمل سلاحًا خفيفًا، وإلى جانبه رجل يرتدي لباسًا عسكريًا مموهًا.

تؤكد اللقطات المصوّرة التي التقطها صحافيون رافقوا القوات الحكومية صحة رواية فادي، التي تفيد بأن قوات أبو قصرة أطلقت النار بشكل عشوائي على القرية، وأنه لم يكن هناك أي مسلحين علويين موجودين أو يردّون على إطلاق النار.

ويُظهر مقطع مصوّر بثّته قناة الجزيرة عناصر القوات الحكومية يطلقون النار باتجاه المختارية من طريق M4، فيما يقف آخرون بشكل اعتيادي دون أن يكلفوا أنفسهم حتى عناء الاحتماء خلف آلياتهم.

وفي مقطع منفصل بثّته قناة الحدث، يظهر صحافي يصوّر نفسه (سيلفي) لتوثيق ما سمّاه “الاشتباكات”، دون أن يحتمي، واقفًا مكشوفًا في منتصف الطريق، يبدو هادئًا بلا أي مؤشر على وجود نيران متجهة نحوه.

ويقول أحد الناجين لـ The Cradle: “لم تكن هناك أي مقاومة للفصائل التي دخلت قريتنا. كانوا يختلقون ذريعة لقتلنا. لقد صوّروا كل شيء. أطلقت الفصائل النار عشوائيًا على القرية لصناعة دعاية”.

إلا أن هذه التغطيات الإعلامية دفعت وكالة رويترز إلى الادعاء بشكل خاطئ أن القوات الحكومية دخلت المختارية وقتلت سكانها الذكور لـ“سحق تمرّد ناشئ لمقاتلين من الطائفة العلوية التابعة لبشار الأسد”.

إعدامات من منزل إلى منزل

بعد توقف إطلاق النار من الأسلحة الرشاشة والدبابات، دخلت أعداد كبيرة من المسلحين إلى القرية على متن آلياتهم، وبدأوا الانتقال من منزل إلى آخر، مطالبين بخروج الرجال من كل عائلة.

وتروي شابة تُدعى لينا لـ The Cradle كيف جرى اقتياد زوجها وإخوته الثلاثة من منزلهم وقتلهم. وكانت العائلة قد قررت عدم الفرار، إذ قالت: “دعوهم يفتشون منازلنا، لسنا نملك أي سلاح”.

وكانوا مجتمعين في ممر المنزل حين بدأ الملثمون بقرع الباب بعنف شديد، وهم يصرخون: “نريد الرجال!”. أخذوا شباب العائلة معهم، تاركين النساء والأطفال وحدهم وسط أصوات إطلاق النار المتواصلة.

مصطفى وولداه المراهقان

يروي ناجٍ آخر يُدعى مصطفى لـ The Cradle كيف قُتل ولداه المراهقان. نحو الساعة السابعة صباحًا، دخلت قوات حكومية منزله، مدعية البحث عن أسلحة، بينما لم تكن العائلة تمتلك شيئًا.

وقال مصطفى: “أخذوا كل ما وقع تحت أيديهم من ذهب ومال وهواتف محمولة. نزعوا السوار الذهبي من يد زوجتي”. وكان الرجال ملثمين ويرتدون ملابس سوداء بالكامل، ما يرجّح أنهم تابعون لجهاز الأمن العام.

ومن دون أن ينطقوا بكلمة، اقتادوا مصطفى وأبناءه الثلاثة إلى الشارع، مجبرين إياهم على الاستلقاء ووجوههم إلى الأسفلت، كما أُخرج أربعة من جيرانه وأُجبروا على الاستلقاء معهم. ثم أُمروا بإطلاق النار عليهم جماعيًا. أُصيب مصطفى بعدة طلقات نارية، ما تركه في حالة حرجة، وظنّ المنفذون أنه قُتل.

ضحايا بملابس عسكرية

قال مصطفى إن القوات حاولت إجبار الضحايا على ارتداء زي عسكري لإيهام الرأي العام بأنهم من فلول النظام، لكنهم لم ينجحوا في ذلك بسبب استعجالهم.

ووصف رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR)، محاولات مماثلة لإخفاء جرائم القتل في المختارية ومناطق أخرى، وقال: “جرى سحب الجثث بعد انتهاء العمليات العسكرية، وكان ذلك بمثابة تنظيف لمسرح الجريمة في بانياس وجبلة وصنوبر جبلة وريف اللاذقية والقرداحة وريف مصياف. بعض الجثث أُلبست بزات وسترات عسكرية”.

كما أطلقت هيئة تحرير الشام دعوات لإبادة العلويين ورمي الجثث في البحر. ومن بين هؤلاء أوس مصطفى، الذي كتب على واتساب في 8 آذار/مارس: “ارموهم في البحر كي لا تجوع الأسماك في أرض بني أمية”. وبعد شهر، لفظت شواطئ لبنان جثثًا يُعتقد أنها تعود لضحايا مجازر الساحل السوري.

المستودع

وتجلّت الطبيعة المنظّمة للمجزرة في طريقة جمع الضحايا في مجموعات كبيرة قبل إعدامهم جماعيًا. وقد وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 27 رجلًا أُعدموا معًا داخل مستودع تخزين مفتوح الجوانب في المختارية.

وأكدت اللجنة أن ما لا يقل عن 34 شخصًا آخرين قُتلوا جماعيًا قرب الساحة الرئيسية للقرية، و32 رجلًا وفتى داخل المنازل وفي الشوارع، من بينهم رجال مسنون، توأمان يبلغان 13 عامًا، مختار القرية، ورجل من ذوي الإعاقة.

ويقول سكان المختارية لـ The Cradle إن المختار، زكريا محمد شعبان، حاول التأكيد للجنود أنه لا توجد أي أسلحة، وعرض البقاء معهم طوال الليل عند الحاجز، إلا أنهم رفضوا وقتلوه مع شقيقه عند دخول القوات صباح اليوم التالي.

نباح كالكلاب

تحدثت The Cradle ​​مع شاب علوّي نجا من المجزرة، حمزة، فقال: “عندما اقتحموا منزلنا، صادَروا هواتفنا، أمرونا بالركوع، وبدأوا بضربنا بأعقاب البنادق، ثم أجبرونا على الزحف في الشارع، وصعدوا على ظهورنا وسبّونا وشتموا ديننا”.

وأضاف: “رأيت جنديًا سابقًا يُضرَب حتى الموت داخل برميل، وكان شقيقي الأصغر والأب قُتلوا أيضًا”. 

وأوضح حمزة أن رصاصة خدشت رأسه وظنوا أنه مات.

ويُظهر مقطع مصوّر آخر عشرات الرجال يُضربون أثناء إجبارهم على الزحف نحو مكان إعدامهم، بالطريقة نفسها التي وصفها حمزة.

وبحسب مقاطع أخرى، أُطلق النار على شبّان علويين أثناء زحفهم على طريق ترابي، فقتلوا فورًا، فيما كان جنود ينهالون بالضرب على الآخرين بالقرب من جثث ملطّخة بالدماء، ويضحكون أثناء ذلك. وادّعت صفحات موالية للحكومة أن أحد الجنود المعتدين، عمار عبد العال، اعتُقل، إلا أن الناشط وحيد يزبك أكد أنه يعيش بحرّية تامة.

شهادة أم خضر

تحكي أم خضر عن اقتياد أبنائها الأربعة وإعدامهم، ومحاولة إخفاء ابنها الأصغر بين الفتيات، لكنها فشلت. وقد أجبر المسلحون أبنائها على “النباح كالكلاب”، وعندما رفضوا، أطلقوا النار عليهم فورًا.

انتشر مقطع فيديو من منطقة المختارية على الإنترنت يُظهر امرأة أخرى تبحث بيأس عن ابنيها. وتجلس نساء أخريات بين الجثث وهن يبكين.

لم يُسمح للأرامل بنقل جثامين أزواجهن وأبنائهن أيام، ث الجثث في شاحنات ونُقلت للدفن عند أطراف القرية، وتم حفر القبور بالجرافات والآليات الثقيلة، وفقًا لأم خضر.

النهب والحرق وما بعد الموجة

بعد انتهاء عمليات القتل، غادرت الفصيلة المسلحة الأولى، وحلّت فصائل أخرى نهبت القرية وأحرقتها. وروت لينا أن صور المنازل والأراضي المحترقة عُرضت لاحقًا في الإعلام لإيهام الرأي العام بوقوع اشتباكات بين القوات الحكومية و“فلول النظام”.

خلال ساعتين فقط من صباح 7 آذار/مارس، قتلت القوات الحكومية 149 رجلًا وفتى، إضافة إلى امرأة واحدة، دون أي تحقيق في هوية الضحايا، كما أكدت أم خضر. وقد كان معظم الجنود من دير الزور وحلب وإدلب، مع مسلحين مدنيين من بلدات سنية مجاورة.

أين العدالة؟

لم يُحاسَب أي من منفذي المجزرة أو من أصدر الأوامر. وفي 10 آذار/مارس، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع، العقيد حسين عبد الغني، انتهاء العملية العسكرية ضد “فلول النظام”، مذكّرًا المختارية بالاسم، وادّعى نجاح قواته في “تحقيق أهدافها”.

كما لم يُبدِ حسن أبو قصرة، رئيس SADCOP, أي ندم، بل نشر في 12 آذار/مارس منشورًا يمجّد موجة القتل الجماعي التي ساهم في تنظيمها، مرفقًا مقطعًا مصوّرًا لمسلحين داخل آلية عسكرية تتجه بسرعة نحو الساحل، وكتب: “نحن نمزح هكذا.. تخيّلوا عندما نكون جديين. اسألوا الفلول عنا”.

وبعد أيام قليلة، عاد أبو قصرة إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليسخر من أرامل الرجال الذين ذبحهم جنوده، وكتب: “مدافع 130 ملم تحوّل نساء الروافض إلى أرامل عاهرات المتعة”.

إن تبجح أبو قصرة، و“الاشتباكات” الملفقة مع “فلول النظام”، والإعدام الجماعي المنظم للرجال المدنيين في المختارية، كلها تشير إلى أن المجزرة كانت مخططة مسبقًا في دمشق.