من مبايعٍ للظواهري إلى واجهةٍ مصقولة: كيف يُغسل تاريخ الإرهاب على مرأى العالم؟

ليست المشكلة في أن العالم ينسى، بل في أنه ينسى حين يكون النسيان مربحًا. وحين تكون الذاكرة عائقًا أمام الصفقات، تُستدعى آلات التجميل السياسي، وتُفتح خزائن العلاقات العامة، وتُصاغ الروايات الجديدة بمدادٍ بارد، كأن الدم الذي سال يمكن محوه بربطة عنق، أو أن سنوات الإرهاب يمكن دفنها تحت اسمٍ جديد وصورةٍ مصقولة. هكذا يُراد اليوم لأحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، أن يُقدَّم لا كما عرفه الناس في تاريخه الحقيقي، بل كما تريد له غرف التلميع أن يبدو: رجل دولة، لا رجل تنظيم؛ سياسيًّا براغماتيًّا، لا أميرًا جهاديًا؛ وجهًا للمستقبل، لا حاملًا لماضٍ مثقل بالبيعة للقاعدة والإرث الدموي لجبهة النصرة. (Al Jazeera)

لكن الوقائع لا تموت لأن أصحاب النفوذ قرروا إغراقها بالضجيج. ففي أبريل/نيسان 2013، نُشرت التقارير عن إعلان أبي محمد الجولاني مبايعته لأيمن الظواهري، زعيم القاعدة آنذاك. وبعدها بأسابيع، صنّفته وزارة الخارجية الأمريكية “إرهابيًا عالميًا مصنفًا بشكل خاص”، قبل أن يدرجه برنامج “مكافآت من أجل العدالة” لاحقًا ضمن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عنه. هذه ليست اتهامات تُرمى جزافًا، ولا خصومة سياسية عابرة، بل مسار موثق في تقارير منشورة ومواقف رسمية أمريكية. (Al Jazeera)

ثم جاءت المهزلة الكبرى: في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024 أعلنت واشنطن أنها لن تتابع مكافأة الـ10 ملايين دولار بعد لقاء مسؤوليها به، رغم أن هيئة تحرير الشام بقيت، وفق التغطية نفسها، منظمةً مصنفة إرهابية أجنبيًا، وحينها قيل إن الرجل “التزم بنبذ الإرهاب”. وبعد أقل من عام، ظهر رسميًا على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول 2025 بصفته رئيسًا لسوريا. أيّ سقوط أخلاقي هذا؟ وأيّ رسالة يرسلها العالم حين ينتقل الرجل من سجل المكافآت إلى منصة الشرعية الدولية بهذه السرعة الوقحة؟ (AP News)

المسألة هنا ليست تبديل اسمٍ باسم، ولا استبدال كنيةٍ بهوية مدنية. المسألة أن رجلًا ارتبط علنًا بجبهة النصرة، وورد في التغطيات أنه بايع الظواهري، يُعاد تسويقه اليوم بصفته “شريكًا محتملًا” أو “رجل مرحلة” أو “وجهًا جديدًا لسوريا”. كأن التاريخ مجرد ملف علاقات عامة، وكأن الجريمة تصبح أقل قبحًا إذا أُنفقت عليها أموال كافية، ووُظفت لها شركات تلميع كافية، وتكلمت عنها منصات كافية بلغة “التحول” و”الاعتدال” و”الواقعية السياسية”. ليست هذه سياسة فقط، بل غسيل علني للذاكرة. (Al Jazeera)

ولمن يظن أن الكلام مبالغة، فالفيديو موجود، والبيعة موثقة في التغطيات منذ 2013، والاسم القديم ليس اختراع خصوم، والتصنيف الأمريكي لم يكن إشاعة، والمكافأة لم تكن مجازًا بل رقمًا رسميًا بلغ 10 ملايين دولار. وحين تكون الأدلة بهذا الوضوح، يصبح الكلام عن “إعادة التموضع” محاولةً رخيصة لتضليل الرأي العام، لا قراءةً بريئة للتحولات. لا أحد هنا يرمي التهم على عواهنها؛ المشكلة أن العالم يرى الوقائع نفسها، ثم يقرر أن يتصرف كما لو أنها لم تعد مهمة. (Al Jazeera)

إن أخبث ما في هذا المشهد ليس فقط تلميع الرجل، بل إهانة الضحايا. ماذا يُقال لعائلات من ذُبحوا، وخُطفوا، وهُجروا، وسُحقت قراهم ومدنهم تحت سطوة التنظيمات الجهادية، حين يرون أحد أبرز وجوه هذا التاريخ وقد تحول إلى مادة بروتوكولية محترمة؟ ماذا يُقال للناجين من إرهاب القاعدة وداعش، وللسوريين الذين عرفوا النصرة لا من المقالات، بل من الخوف المباشر، ومن المقابر، ومن الاختفاء، ومن التكفير، ومن السلاح المسلط على الرقاب؟ إن منح هذا النوع من الصعود السياسي غطاءً عالميًا ليس دبلوماسية؛ إنه صفعة في وجه العدالة، وخيانة صريحة لذاكرة الضحايا. (Al Jazeera)

ولنكن أكثر صراحة: ما يجري ليس “تحولًا طبيعيًا” بقدر ما هو تبييض منظم للصورة. لا ببراءةٍ ثبتت، ولا بمحاسبةٍ جرت، ولا باعتذارٍ قُدِّم، ولا بعدالةٍ أُنجزت، بل عبر المال المسخّر للتلميع، والشبكات الإعلامية المستعدة لبيع النسيان، واللغة السياسية التي تعرف كيف تستبدل كلمة “متطرف” بكلمة “براغماتي”، وكلمة “إرهابي” بكلمة “فاعل جديد”، وكلمة “ماضٍ دموي” بكلمة “مرحلة سابقة”. وحين يُستبدل الحق بالحملة، والذاكرة بالرعاية الإعلامية، لا يعود العالم شاهدًا على تزييف الواقع فقط، بل شريكًا فيه. (AP News)

إن من كان في يوم من الأيام مطلوبًا بمكافأة أمريكية قدرها 10 ملايين دولار لا يصبح رمزًا للشرعية لمجرد أن واشنطن رفعت المكافأة، ولا يصبح تاريخه نظيفًا لمجرد أن الأمم المتحدة فتحت له المنصة. رفع المكافأة ليس شهادة براءة، والصعود إلى المنبر ليس غفرانًا للتاريخ، وتبديل الصورة لا يغيّر حقيقة ما حمله الاسم من قبل. هذه بديهيات يفترض ألا تحتاج إلى شرح، إلا في زمنٍ صار فيه المال السياسي والتواطؤ الدولي قادرين على تسويق أي شيء، حتى لو كان البضاعة نفسها تاريخًا ملوثًا بالإرهاب. (AP News)

الخاتمة

القضية ليست شخصًا غيّر مظهره، بل عالمًا قرر أن يغيّر ذاكرته. وليست مأساة الضحايا في أن الجلادين يحاولون غسل صورتهم، فهذا متوقع، بل في أن قوى دولية ومنابر كبرى تساعدهم على ذلك، أو على الأقل تفتح لهم الطريق. من مبايعٍ للظواهري، إلى مصنف إرهابيًا عالميًا، إلى مطلوب بمكافأة أمريكية بملايين الدولارات، إلى رجل يُعاد تسويقه على أنه وجهٌ مقبول في النظام الدولي: تلك ليست قصة تحول ملهمة، بل قصة سقوط أخلاقي مدوٍّ. (Al Jazeera)

وحين يُغسل تاريخ الإرهاب بهذه الوقاحة، لا يكون السؤال: كيف وصل هو إلى هناك؟ بل: كم ضميرًا مات على الطريق؟ (AP News)

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *